البيروقراطية الرقمية

تُعرَّف البيروقراطية تقليدياً بأنها منظومة من القواعد والإجراءات الهرمية التي تهدف إلى تنظيم العمل وضبطه، غير أن هذا التنظيم، الذي وُضع أصلاً لضمان العدالة والسلاسة، تحوّل في كثير من الأحيان إلى عبء يثقل كاهل الأفراد والمؤسسات، فحين تتضخم اللوائح، وتتعدد الموافقات، وتتشابك المسارات، يصبح الوصول إلى الخدمة رحلة طويلة من الانتظار، لا تختلف كثيراً عن الدوران في متاهة إدارية، ومع دخول العالم عصر الرقمنة، بدا وكأن الحل قد وصل أخيراً، فالأتمتة وُصفت بأنها العصا السحرية القادرة على إنهاء البيروقراطية التقليدية، لكن الواقع كشف أن البيروقراطية لا تختفي بسهولة، بل تغيّر جلدها فقط.

هذه الظاهرة تُعرف اليوم بـ«البيروقراطية الرقمية»، وهي الوجه الجديد للتعقيد الإداري حين لا تُصمَّم الأنظمة الرقمية بروح التبسيط، بل بروح الاستنساخ، فالكثير من المؤسسات حول العالم نقلت إجراءاتها كما هي إلى المنصات الإلكترونية دون إعادة هندسة، فتحوّل التعقيد من ورقي إلى إلكتروني، وبقي المتعامل يواجه التحديات ذاتها ولكن بواجهة مختلفة، في المقابل تبذل دولة الإمارات جهوداً لافتة لتجاوز هذا الفخ، فمبادرات مثل برنامج تصفير البيروقراطية الحكومية، ومنصات الخدمات الموحدة، تعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة تعريف العلاقة بين المتعامل والجهة الحكومية، فالفكرة ليست فقط رقمنة الخدمات، بل إعادة تصميمها بحيث تصبح أسرع، وأبسط، وأكثر شفافية، وقد أعلنت الجهات الحكومية في الدولة عن خطط لإلغاء آلاف المتطلبات، وتوحيد الإجراءات، وتقليل المستندات، ولكن رغم هذه الجهود، يظل بعض التشريعات والقوانين، التي وُضعت في زمن مختلف، قد لا تمنح دائماً المرونة الكافية لإعادة هندسة الإجراءات، فبعض القوانين يشترط مستندات معينة، أو يفرض تسلسلاً محدداً للموافقات، ما يجعل التغيير التقني وحده غير كافٍ، كما أن تعدد الجهات وتداخل الاختصاصات قد يخلق مسارات معقدة يصعب تبسيطها.

في النهاية، يمكن القول إن البيروقراطية ليست قدراً محتوماً، فالمطلوب هو التفكير الشمولي في الإجراءات من جذورها، وتحديث التشريعات بما ينسجم مع سرعة العصر، وتبني ثقافة مؤسسية متجددة وفلسفة حكومية تضع المتعامل في قلب العملية.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

الأكثر مشاركة