كم نصنع خارج النفط؟

عندما تسجل دولة الإمارات 3.8 تريليونات درهم في التجارة غير النفطية، بنمو يصل إلى 27%، فنحن لا نتحدث عن أداء قوي فحسب، بل عن إعلان صريح لنهاية مرحلة وبداية أخرى، أو بالأحرى إعادة تعريف شاملة للاقتصاد الحديث، يعتمد على سؤال جوهري، هو: كم نصنع خارج النفط؟نمو بنسبة 27% في قطاع غير نفطي، يعني أن هناك استراتيجية استباقية تعرف أين تتجه قبل أن يصل الآخرون، وما تحقق اليوم هو نتيجة سنوات من بناء منظومة اقتصادية متكاملة تجمع بين موانئ عالمية، وبنية تحتية لوجستية، وتشريعات مرنة، واتفاقيات تجارية تفتح الأسواق شرقاً وغرباً، حيث وصل عددها إلى 37 اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة وقعتها الإمارات حتى الآن، لتضمن وصول الشركات الوطنية والعالمية إلى فرص استثمارية واسعة.

3.8 تريليونات درهم ليست مجرد رقم، وإنما حقيقة ملموسة، تؤكد أن الإمارات نجحت في نقل مركز الثقل من النفط إلى النشاط الاقتصادي الحقيقي، من الاعتماد إلى التنوع، ومن التأثر إلى التأثير، وذلك عن طريق بناء اقتصاد متعدد المحركات، لا ينهار إذا تباطأ قطاع واحد منه، ولا يتوقف إذا تراجع أداء أحد محركاته.

هذا التحول، كان ينظر إليه على أنه أمر مستحيل وصعب في بداياته، لكن لا مستحيل في الإمارات، عبارتان بينهما 10 سنوات اختزلتا الرحلة، وحولتا ما كان ينظر إليه على أنه صعب إلى واقع وأرقام ملموسة، العبارة الأولى كانت في عام 2016: «سنحتفل بآخر برميل نصدره من النفط»، والثانية في 2026: «من يراهن على الإمارات يراهن على المستقبل».

خلال هذه المدة، تم وضع برامج وطنية واستراتيجيات ضخمة لتحقيق التنويع الاقتصادي، وتقليل الاعتماد على النفط، تم التركيز فيها على السياحة والطيران والابتكار والصناعة والتكنولوجيا، وكل ما يتعلق باقتصاد المعرفة والاقتصاد الرقمي، لتخرج الإمارات بنموذج اقتصادي متفرد ورائد.

الإمارات، حالياً، لم تعد سوقاً فقط، بل أصبحت قوة تجارية عالمية، وهذا ليس مجرد إنجاز، وإنما تسارع اقتصادي مبني على رؤية استباقية واستراتيجيات طويلة المدى. النمو بنسبة 27% في التجارة غير النفطية في بيئة عالمية مضطربة، تعاني فيها العديد من الاقتصادات التباطؤ، يعني أن الاقتصاد الإماراتي أصبح أكثر استقلالية واستدامة. وهذا بدوره يعزز الثقة، ليس لدى المستثمرين فحسب، بل لدى المؤسسات المالية العالمية التي تبحث عن أسواق مستقرة طويلة الأجل، وهنا يكمن الفرق الجوهري: هناك دول تتحدث عن تنويع الاقتصاد.. ودول تبنيه على أرض الواقع.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة