مضيق هرمز وحرية الملاحة
في أوقات التوترات تعود الأسئلة القانونية القديمة إلى الواجهة.. لكن هذه المرة تحت ضغط الواقع.
ومن أبرز هذه الأسئلة: هل تملك الدولة الساحلية، في ظل الظروف الاستثنائية، الحق في فرض قيود أو رسوم على السفن العابرة عبر مضيق دولي مثل مضيق هرمز؟
الإجابة، في جوهرها، لا تُبنى على السياسة أو الظرف الآني، بل على قواعد مستقرة في القانون الدولي، وعلى رأسها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي وضعت إطاراً واضحاً لتنظيم الملاحة في المضائق الدولية.
هذه الاتفاقية تبنت نظاماً يُعرف بـ«المرور العابر» (Transit Passage)، وهو نظام يمنح جميع السفن والطائرات حق المرور المستمر والسريع عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، دون تعطيل أو تأخير.
وبموجب المادة (38) فإن هذا الحق لا يجوز تعليقه تحت أي ظرف، وهو ما يعني أنه حتى حالات التوتر أو النزاعات لا تمنح الدولة الساحلية سلطة إيقاف أو تعطيل حركة الملاحة.
كما تُلزِم المادة (44) الدول المشاطئة للمضيق بعدم عرقلة هذا المرور، وهو التزام صريح يضع حدوداً واضحة لأي إجراءات قد تؤثر على حرية الملاحة.
صحيح أن الاتفاقية تمنح الدول الساحلية هامشاً لتنظيم بعض الجوانب، كسلامة الملاحة، وحماية البيئة، وتنظيم حركة المرور البحري، وفقاً للمادة (42)، لكن هذا التنظيم ليس مطلقاً، بل مشروط بألا يؤدي - بشكل مباشر أو غير مباشر - إلى تقييد أو تعطيل حق المرور العابر.
ويجد هذا التوجه سنده في القضاء الدولي، خصوصاً في الحكم الشهير في قضية «مضيق كورفو» بين المملكة المتحدة وألبانيا، حيث أكدت المحكمة أن المضائق الدولية تظل مفتوحة أمام الملاحة، وأن حرية المرور فيها تُعد مبدأً راسخاً لا يجوز المساس به.
وفي ضوء ذلك فإن أي محاولة لفرض قيود أو رسوم تتجاوز هذا الإطار، تُعد مخالفة قانونية صارخة لالتزامات دولية واضحة، بغض النظر عن المبررات السياسية أو الأمنية التي قد تُطرح، والتي تعد في هذه الحالة ضرباً من العبث.
وفي النهاية تبقى القاعدة الأهم: المضائق الدولية ليست مجالاً للسيادة المطلقة.. بل مساحة تخضع لتوازن دقيق بين حقوق الدول وحرية العالم في الملاحة.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.