شبهك الأربعين
صادفت صديقاً صينياً قبل سنوات، قال لي وهو يضحك: أنتم جميعاً تتشابهون.
ضحكت يومها.. لأننا نقول الشيء نفسه عنهم.
اليوم، لا تحتاج إلى أن تسافر شرقاً لتشعر بالتشابه.
يكفي أن تمشي في أي مول.. وسترى «النسخة» تتكرر أمامك.
لم نعد نصف الملامح كما كانت: عربية، خليجية، أو حتى من مدينة معينة.
أصبح الوصف أدق: هذه بنت دكتور التجميل فلان.. وهذه من عند دكتور التجميل علّان.
الأنف نفسه، والذقن نفسها، والابتسامة نفسها.. حتى الدهشة أصبحت متشابهة.
كنا نقول: «يخلقُ من الشبه أربعين»
لكن يبدو أننا لم نعد نكتفي بالأربعين.
لم يعد الهدف أن تكون جميلاً.. بل أن تكون مطابقاً.
وسائل التواصل لم تصنع الجمال.. بل صنعت قالباً له،وقدّمت نموذجاً واحداً على أنه الأفضل، ثم تركت الجميع يركضون نحوه.
ومن لم يدخل هذا القالب.. بدأ يشك في نفسه.
المشكلة ليست في التجميل بحد ذاته،بل في أننا لم نعد نحب أنفسنا.
هناك من تقف أمام المرآة.. لا لترى نفسها،بل لتبحث عمّا يجب تغييره.
يقال: «إن ما يُسكب في القلب تُبرزه الملامح»، ما تضعه من رضا داخلك.. يظهر عليك، وما تخبئه من قلق.. يفضحك.
حين لا تُقال كلمة كافية، ولا تُبنى ثقة حقيقية، تبحث البنت عنها في مكان آخر.
أن تتحول الملامح إلى مشروع دائم للتعديل.. تبدأ الخسارة.
والأقسى.. أن يُدفع ثمن هذا الشعور أحياناً بالقروض، وكأننا لا نشتري تغييراً.. بل نحجز مكاناً بين النسخ.
نحن لا نُجمّل أنفسنا.. نحن نهرب منها.
هذه الخطوط التي تعلو الحاجب، أو تمر على الخد.. طبيعية.
هي التي تُظهر تعابيرك، وتقول للناس ما في داخلك.
أما الوجوه المشدودة.. فهي لا تقول شيئاً، إلا دهشة دائمة لا تشبه أحداً.
والعالم، بصراحة، بدأ يملّ من النسخ المتكررة.
اليوم يا صديقي الصيني.. لم نعد نغضب من كلامك، لأنك لم تكن مخطئاً.
أصبح الشبه مئة.. لكن السؤال الحقيقي: كم واحد منا ما زال يشبه نفسه؟
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.