دفاعاً عن الإمارات وأمن الخليج

في لحظات التحوّل التاريخي، لا تُقاس قوة الدول بعدد جيوشها وحده، بل بقدرتها على إدراك طبيعة التهديد، وتوحيد الإرادة، وصياغة موقف يتجاوز التردد والانقسام. وما نشهده اليوم من اعتداءات إيرانية متكرّرة على دولة الإمارات العربية المتحدة وسائر دول الخليج، ليس حادثاً عابراً، بل اختبار حقيقي لفكرة الأمن العربي المشترك التي طالما أُعلنت نظرياً ولم تُفعّل عملياً.

إن دولة الإمارات ليست مجرد كيان سياسي ضمن الخريطة العربية، إنها نموذج حديث لدولة عربية اختارت أن تُعرّف نفسها عبر المستقبل لا عبر الماضي. دولة استثمرت في الإنسان قبل النفط، وفي التعليم العالي قبل الشعارات، وفي التكنولوجيا قبل الخطاب الأيديولوجي. من جامعاتها المتقدمة إلى مشاريعها الفضائية، ومن بنيتها التحتية الذكية إلى اقتصادها المتنوع، تقدّم الإمارات صيغة عربية طموحة، تنافس، بل وتتفوق في بعض المجالات على نماذج غربية عريقة، وهذا بحد ذاته يجعلها هدفاً لمن يرى في التقدّم العربي تهديداً لمعادلات النفوذ الإقليمية.

إن أي اعتداء على الإمارات أو على أي دولة خليجية ليس شأناً محلياً أو إقليمياً محدوداً، بل هو مساس مباشر بعالمنا العربي، وبفكرة الدولة العربية الحديثة ذاتها. فالمسألة لم تعد نزاعاً جغرافياً أو سياسياً تقليدياً، بل أصبحت صراعاً بين مشروعين، مشروع يسعى إلى بناء دول مستقرة، منتجة، منفتحة، تمنح المتميزين في العالم الإقامة والعيش؛ ومشروع آخر يقوم على توسيع النفوذ عبر الفوضى، واستثمار الانقسامات، وإدامة التوتر.

من هنا، يصبح الصمت العربي - أو الاكتفاء ببيانات الشجب - نوعاً من القصور الاستراتيجي. المطلوب ليس التصعيد غير المحسوب، بل بناء جبهة عربية موحّدة، واضحة المعالم، تتأسس على ثلاث ركائز: أولاً، موقف سياسي جماعي لا لبس فيه، يعتبر أمن الخليج جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي. ثانياً، تنسيق دفاعي وأمني فعّال يردع الاعتداءات قبل وقوعها، لا بعده. ثالثاً، خطاب إعلامي وثقافي يعيد صياغة الوعي العربي، بحيث يدرك أن استهداف نموذج ناجح كالإمارات هو استهداف لإمكانية النهوض العربي ككل.

إن الدفاع عن الإمارات اليوم ليس مجرّد تضامن مع دولة شقيقة، بل هو دفاع عن قلب البيت الخليجي نفسه، وعن كرامة لا تتجزأ، وعن سيادة إن مُسّت هناك اهتزّت لها كل عاصمة عربية.

إنّ أمن الخليج كلٌّ لا يقبل القسمة، وإن هذه الأرض العربية حصن تُصان حدوده، وتُحمى منجزاته، ويُصاغ مستقبله بيد أبنائه لا بقرارات الآخرين.


لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة