الأم بين ثقافتين

يحتفل العالم في الربيع بعيدٍ يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق الدلالة في جوهره: عيد الأم. غير أن هذا الاحتفاء، على الرغم من عالميته، يتخذ معاني وصوراً مختلفة بين الثقافتين الغربية والعربية، كما ينعكس في الأدب الذي صوّر الأم بوصفها رمزاً للحب والتضحية والذاكرة الإنسانية.

في الغرب يُحتفل بعيد الأم عادة في شهر مايو، وهو تقليد حديث نسبياً يعود إلى بدايات القرن الـ20. يرتبط هذا اليوم بثقافة الهدايا والبطاقات والزيارات العائلية، حيث يعبّر الأبناء عن امتنانهم لأمهاتهم بطرق رمزية وعاطفية. وقد انعكس هذا التصور في الأدب الإنجليزي والأميركي، حيث تظهر الأم غالباً، شخصية إنسانية دافئة داخل إطار الحياة اليومية.

في قصائد مثل «To My Mother» لإدغار آلان بو، أو في العديد من الروايات الفيكتورية، تظهر الأم بوصفها ملاذاً عاطفياً ومصدراً للحنان والاستقرار الأخلاقي. إنها الحارسة الصامتة للأسرة، والذاكرة التي تحفظ تماسك البيت. وحتى عندما يغيب حضورها الجسدي، كما في كثير من الأعمال الأدبية، تبقى صورتها مرتبطة بالحنين والدفء والطفولة المفقودة.

أما في الثقافة العربية، فإن عيد الأم يُحتفل به في الـ21 من مارس، وهو تقليد حديث نسبياً أيضاً ظهر في منتصف القرن الـ20. غير أن مكانة الأم في المخيال العربي أقدم بكثير من هذا التاريخ، إذ ترتبط بقِيَم دينية وثقافية عميقة، حيث يُنظر إلى الأم بوصفها مصدر الحياة والبركة، وتُختصر منزلتها في القول الشهير: «الجنة تحت أقدام الأمهات».

وقد انعكست هذه المكانة الرفيعة في الأدب العربي بوضوح، ففي قصيدة محمود درويش الشهيرة «أحن إلى خبز أمي»، تتحول الأم إلى رمز للوطن والذاكرة والهوية. وفي قصائد نزار قباني تظهر الأم باعتبارها الجذر الأول للحب واللغة والإنسانية. كذلك في السرد العربي كثيراً ما ترتبط صورة الأم بالتضحية والصبر في مواجهة الفقر أو المنفى أو الحروب.

يبدو الفارق بين الأدبين واضحاً: ففي الأدب الغربي تُصوَّر الأم غالباً ضمن إطار الأسرة الصغيرة وعالمها الخاص، بينما تتسع صورتها في الأدب العربي لتصبح رمزاً ثقافياً وروحياً يتجاوز حدود البيت، فهي ليست مجرد شخصية عائلية، بل هي ذاكرة جمعية وملاذ أخلاقي في مواجهة قسوة العالم. ومع ذلك يلتقي الأدبان في حقيقة إنسانية واحدة، وهي أن الأم ليست مجرد مناسبة للاحتفال في يوم من أيام السنة، بل الحضور الأعمق في حياة الإنسان.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة