هني وعافية
أنا سائق الدراجة الذي يطرق بابك كل يوم، لكنك غالباً لا تعرف اسمي، تعرف فقط أن طلبك وصل.
ربما تفتح الباب، تأخذ الكيس وتغلقه سريعاً، ثم أختفي في الشارع مرة أخرى باحثاً عن الطلب الآتي.
لديّ وقت محدد لكل طلب، إن تأخرت فقد أخسر عملي، أتنقل بين المطاعم والبيوت طوال اليوم، أطرق الأبواب، أسلم الطلبات، ثم أنطلق سريعاً إلى الطلب الآتي.
في إحدى الليالي حملت طلباً لشخص أخذ عرضاً: وجبة ووجبة مجاناً. عندما وصلت أخذ واحدة وأعطاني الثانية.
قال لي مبتسماً: «هذه لك، لم يتبقَّ على أذان الفجر إلا دقائق، وستصوم مثلي، ابدأ بالأكل».
لم أعرف هل أبتسم أم أشكره، لكن دموعي سبقتني. في عملي هذا أتعلم كل يوم درساً عن الناس، بعضهم يفتح الباب ويأخذ الطلب ويغلقه سريعاً وتنتهي الحكاية، وبعضهم يترك في قلبك أثراً صغيراً لكنه يبقى معك طوال الطريق.
في هذا العمل تعلمت شيئاً واحداً: الناس لا يُعرفون من طلباتهم، بل من قلوبهم. هذه المواقف الصغيرة تذكرني بوصية النبي ﷺ حين قال: «لا تحقرنّ من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق»، فالخير في حياتنا ليس نادراً، نحن فقط لا ننتبه له.
وأنت ذاهب إلى المسجد، أعطِ ابنك خمسة دراهم وقل له: ضعها في صندوق الصدقة. دعه يتعلم أن العطاء ليس مبلغاً كبيراً بل قلب كبير. وعندما تتبرع بملابسك القديمة اطلب منه أن يضع بعض ألعابه وثيابه في كيس جميل.
دعه يشعر بفرحة أن يفرح غيره. جرب أيضاً أن تدخل مستشفى وتسأل عن مريض لا يزوره أحد، ادخل عليه، ألقِ السلام، سترى في عينيه شيئاً لا يُشترى؛ شعور أنه ليس وحيداً في هذا العالم. وفي دار رعاية المسنين اجلس قليلاً واستمع، ستكتشف أنهم لا يريدون الكثير، يريدون فقط شخصاً يجلس أمامهم ويمنحهم دقائق من الاهتمام بعد سنوات طويلة من الصمت.
جرب هذه الأشياء البسيطة ثم أخبرني، ستظن أنك أسعدت الآخرين، لكن الحقيقة أنك أنت من سيعود إلى بيته وهو يشعر بشيء مختلف؛ شيء لا تشتريه التطبيقات، ولا توصله الدراجات.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.