قصة إدمانٍ حديثة
خبر غريب جاء في مجلة «هارفارد غازيت» هذا الأسبوع، يقول إن محكمة في لوس أنجلوس ستنظر في دعوى قضائية، أقامتها طالبة ضد منصتي «إنستغرام» و«يوتيوب» بتهمة جعل مستخدميهما من المراهقين مدمنين.
تقول صاحبة الدعوى إن تعلقها القهري بالمنصتين منذ طفولتها أورثها قلقاً واكتئاباً واضطراباً، وإن دعواها لا تتهم «المحتوى» فحسب، بل تتهم «التصميم»: التمرير اللانهائي من «لينك» لآخر، الإشعارات المتتابعة، الخوارزميات التي تُكافئ الإثارة وتُعيد تدويرها. هي تقول إن الإدمان لم يكن عرضاً جانبياً، بل كان هدفاً تجارياً لزيادة زمن البقاء، ومن ثم زيادة العائد الإعلاني.
الشركات تنفي. وتستند - جزئياً - إلى قانون قديم يعود إلى عام 1996، يحمي المنصات من المسؤولية عن المحتوى الذي ينشره المستخدمون، غير أن المدعين يلتفون على هذا الدرع القانوني بقولهم: لسنا هنا لنُقاضي كلام الناس، بل لنُقاضي هندسة المنصة نفسها.
اختارت بعض المنصات التسوية خارج المحكمة، بينما قررت شركتان المضي إلى المواجهة، حتى وقف مدير تنفيذي على منصة الشهادة في مشهد غير مألوف. المخاطرة كبيرة، إن خسروا فقد يُعاد رسم العلاقة بين الجمهور وهذه الشركات.
لكن المسألة ليست بهذه السهولة، فعلى المدعين أن يبرهنوا على صحة الادعاءات، أهو المحتوى أم التصميم؟ ثمة سجالٌ آخر حول «الإخفاق في التحذير»، هل كانت التحذيرات كافية وواضحة؟ وهل تُسقط المسؤولية إن وُجدت كافية وواضحة؟
الأمر يتجاوز هذه الشابة. إن صح أن تقنياتٍ مستلهمة من علوم السلوك والأعصاب تُستخدم لتعظيم التفاعل، فهل الإدمان المفترض في حالة المنصات يشبه الإدمان في حالة التدخين؟ وإن كان التحقق العمري أداةً ممكنة، فهل تُلقى المسؤولية على صانع الهاتف بدل المنصة؟
وهكذا تقف هذه القضية عند حدٍ فاصلٍ بين عصرين، عصر ظن فيه الناس أن التكنولوجيا أداةٌ بريئة بين أيديهم، وعصر بدأوا فيه يدركون أن الأداة قد تُصمَم لكي تقود اليد نفسها. فإذا قررت المحكمة أن التصميم يمكن أن يكون موضع مساءلة قانونية، فإنها لا تُدين منصة بعينها فحسب، بل تفتح باباً واسعاً لإعادة التفكير في أخلاق التكنولوجيا كلها.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.