الحكيم الذي يسكن الجبل..

كانوا إذا استعصت مسألة على شابٍ مجتهد قالوا له: لو أنك تتلمذت على يد الحكيم الذي يقيم في الجبل لما وقفت هنا. فيسأل: من هو؟ وأين أجده؟ فيشيرون إلى قمة بعيدة، وتبدأ الرحلة. يصل بعد عناء، فيجد رجلاً عالماً، متقناً، كامل الأدوات.. لكنه معزول. حكيمٌ موجود، غير أن الوصول إليه يحتاج دليلاً.

هذه الحكاية لم تبقَ في الكتب. إنها تتكرر اليوم بصورة مختلفة. تُنشأ جهات خدمية، تُرصد لها الميزانيات، وتُختار لها الكفاءات، وتُعلن اختصاصاتها رسمياً، ثم تمضي الأيام، فلا يُذكر اسمها إلا حين يتعثر أحدهم بحق، فيقال له: ألم تراجع الجهة الفلانية؟

وهنا السؤال الذي لا يجوز تجاوزه:

هل المطلوب من المواطن أن يحفظ خريطة المؤسسات كما يحفظ جدول الضرب، أم أن المطلوب من الجهة أن تصل إليه قبل أن يبحث عنها؟

كثير من هذه الجهات يقوم بأدوار جيدة، وربما متميزة. المشكلة ليست في الكفاءة، بل في الحضور. هناك فرق بين الوجود الإداري والحضور المجتمعي.

في زمن الشفافية الرقمية، الصمت ليس حياداً، بل غياب أثر. ومن يكتفِ بالعمل في الظل، يعرّض نفسه – ولو بغير قصد – لسوء الفهم أو لتهمة التقصير.

وأقولها بوضوح: رغم أنني محامٍ وإعلامي، أقرأ وأبحث وأكتب وأتابع وسائل التواصل باستمرار، إلا أنني أحياناً أفاجأ بوجود جهات خدمية وأدوار لم أكن أعلم بها. فإذا كان هذا حالي، فما بالك بالمواطن الذي لا يعيش في دوائر القانون والإعلام؟

الخدمة التي لا يعرفها الناس تظل ناقصة الأثر مهما بلغت جودتها.

العمل الخدمي لا يكتمل دون تواصل. مؤتمرات دورية، تقارير مبسطة، حضور فعّال في وسائل التواصل، لغة قريبة من الناس، وتنافس إيجابي في الوصول قبل الأداء. بل ربما آن الأوان لقياس «مؤشر الوعي المجتمعي» بكل جهة، كما نقيس مؤشرات الإنجاز.

الحكمة لا تُخبأ في الجبال. الحكيم الحقيقي لا ينتظر من يتسلق إليه، بل ينزل إليهم. المؤسسة التي لا تُعرّف بنفسها، تترك تعريفها للصدفة. الجهات الخدمية وُجدت لتصل إلى الناس، لا ليُشار إليها من بعيد.

من لا يصل إلى الناس.. يتجاوزه الناس.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

 

الأكثر مشاركة