الأذن في الأدبين الإنجليزي والعربي

في الأدب الإنجليزي، كثيراً ما كانت الأذن مسرحاً للجريمة قبل أن تكون أداةً للإصغاء. ففي مأساة «هاملت»، لا يتم القتل عبر السيف، بل عبر الأذن، إذ يصبّ عمّه الملك كلوديوس السمَّ في أذن أبيه النائم، فيتحوّل مجرى السمع إلى منفذ للموت.

وفي مسرحية «عطيل»، لا يُراق الدم أول الأمر، بل تُسمَم الثقة همساً، فـإياغو يظلّ يسكب في أذن عطيل قطرات من الشكّ، يوشوش بأكاذيب عن خيانة ديدمونة المزعومة، حتى تتضخّم الكلمة في السمع، وتتحوّل إلى يقين قاتل. هكذا تصبح الأذن في التراجيديا الشكسبيرية بوّابة الفتنة، ومهبط الوسوسة، وموضع الانقلاب من براءة الثقة إلى عتمة الغيرة.

ومن جهة أخرى، يرتبط مفهوم «أذن الشاعر» بوصفه حدساً موسيقياً، بأصول الشعر الشفهيّة: الشاعر «يسمع» الوزن والنبر والرنين قبل أن يكتب، كأن القصيدة تُولَد في القناة السمعيّة ثم تُنقَل إلى الكتابة. وتكبر هذه الفكرة حين تصبح «الأذن الجيدة» علامة على الفهم العميق للّغة: التقاط الفروق بين اللهجات، وتذوّق الإيقاع، وقراءة النبرة بوصفها معنى موازياً للكلمات.

وفي هذا السياق تظهر لعبة الحواس: «أن ترى بأذنيك» أو «أن تسمع بعينيك»، كأن الحواس تتبادل الأدوار، وكأن الحقيقة لا تسكن حاسة واحدة، بل تُصنع في منطقة رماديّة بين الصوت والخيال والتأويل. هكذا تصبح الأذن جهازاً تأويلياً، تستقبل الكلام، لكن العقل يترجمه، وقد يحرّفه.

أما في الثقافة العربية، فـ«الأذن» مقرونة بالهداية والمعرفة والإيمان، فالسمع أحد المنافذ الأولى للإدراك: أذنٌ واعية تحفظ المعنى وتُحسن تلقّي الخطاب. لذلك ترتبط الأذن بالطاعة والإنصات (نحثُّ أطفالنا على أن «يسمعوا الكلام»)، ويتكرر في حكايات ألف ليلة وليلة: «سمعاً وطاعة!» وفي الشعر العربي، حيث ظلّ الشفهيّ طويلاً هو الأصل، يصبح حُسن السمع شرطاً للجمال البلاغي: تمييز النغمة، وموسيقى البحر، وفروق النبر التي تصنع الفصاحة.

ومن أبلغ تمثيلات الأذن في المخيال العربي بيتُ بشّار بن برد (الكفيف) الذي يختصر فلسفة كاملة في الحب والمعرفة: فينشد:

يا قَومِ أَذني لِبَعضِ الحَيِّ عاشِقَةٌ

وَالأُذنُ تَعشَقُ قَبلَ العَينِ أَحيانا

وهكذا يلتقي الأدبان العربي والإنجليزي عند حقيقة واحدة: أنّ الأذن، في جوهرها، هي المسرح الخفيّ الذي تتجلّى عليه دراما الحقيقة؛ تطلّ حيناً في هيئة اعترافٍ يشفّ عمّا في الضمير، وتتنكّر حيناً في صورة خديعة تتسلّل في الهمس، لكنها تظلّ أبداً ميدان الامتحان الأعمق لقدرة الإنسان على الإصغاء.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة