دبي.. عندما تصبح معياراً

لم تعد إمارة دبي مدينة تسعى إلى اللحاق بالمؤشرات الدولية، بل أصبحت «مؤشراً» في حد ذاته يُقاس به مستوى التحول الاقتصادي، وسرعة اتخاذ القرار مع كفاءة التنفيذ، فدبي لا تتحرك ضمن سقف إقليمي ضيق، لكن وفق رؤية واضحة للمستقبل حدودها عنان السماء، لتصوغ بذلك «ستاندر» خاصاً بها، يُعاد إنتاجه باستمرار وفق إيقاع عالمي متسارع، بعدما رسخت مكانتها كمحرك اقتصادي ومركز دولي مؤثر، لا استناداً إلى موقعها الجغرافي فحسب، بل إلى رؤية استراتيجية متماسكة جعلت من الريادة خياراً دائماً ومساراً متصلاً، لا هدفاً مرحلياً.

لم يكن هذا التحول نتاج دورة اقتصادية عابرة، بل حصيلة تخطيط طويل الأمد للقيادة الحكيمة التي صنعت الفرق ورسّخت نهجاً مميّزاً في الإدارة والتنمية جعل من الابتكار ممارسة مؤسسية يومية مستنداً في ذلك إلى بنية تحتية متقدمة، وشبكات ربط جوي من بين الأكثر نشاطاً عالمياً، ومنظومة تشريعية مرنة.

اقتصادياً، عززت الإمارة موقعها منصة عالمية مفتوحة لرؤوس الأموال والمواهب والشركات، وتحولت من مركز إقليمي للأعمال إلى منصة انطلاق دولية للشركات، خاصة في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والاقتصاد الرقمي والخدمات المالية الجديدة. .

والأهم أن دبي رسخت نموذجاً للمدينة التي تستبق المستقبل بدلاً من انتظاره. فسياساتها لا تلاحق المتغيرات فحسب، بل تسعى إلى توجيهها وصياغة بيئة تحتضن الموجة التالية من النمو. وإذا كانت مراكز الابتكار التقليدية قد قادت المراحل السابقة من الاقتصاد العالمي، فإن المؤشرات الراهنة توحي بأن دبي باتت مرشحة لتكون منصة انطلاق لقطاعات التكنولوجيا العميقة وريادة الأعمال العابرة للحدود.

لكن التحول إلى «مؤشر» يضع الإمارة أمام اختبار دائم، فالمعيار لا يُقاس بلحظة نجاح، بل بقدرة مستمرة على الحفاظ على الإيقاع في بيئة عالمية تتصاعد فيها المنافسة بين المراكز المالية والتكنولوجية، والتحدي الحقيقي لا يكمن في تحقيق الريادة، بل في تحويلها إلى حالة مستدامة في بيئة عالمية متغيرة. هكذا، تتحول دبي، من مدينة تنافس على التصنيفات، إلى مرجع في معادلة المدن العالمية، يُستدل به في قياس الأداء الحضري والاقتصادي، ليس باعتبارها استثناءً عابراً، بل باعتبارها نموذجاً عملياً يبرهن على قدرة المدن على إعادة تشكيل أدوارها في زمن التحولات الكبرى.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه. 

الأكثر مشاركة