من القمة إلى التعثر المالي

الرئيس التنفيذي لمجموعة الصكوك الوطنية

محمد قاسم العلي

نشرت «الإمارات اليوم» تحقيقاً عنوانه «من منصات التتويج إلى معاناة التقاعد.. رياضيون ومبدعون يقترحون (راتباً) بعد الاعتزال»، تناول معاناة نجوم ورياضيين من تراجع دخلهم المادي بعد الاعتزال.

وشهدنا في المنطقة، كما في العالم، حالات لنجوم رياضيين حققوا شهرة واسعة ودخولاً مالية استثنائية، ثم انتهت بهم الحال إلى أزمات مالية حادة بعد سنوات قليلة من الاعتزال، أو حتى أثناء مسيرتهم المهنية.

هذه الظاهرة ليست حالات فردية نادرة، بل نمط متكرر يطرح سؤالاً مهماً، كيف يمكن لمن بلغ القمة أن يتعثر مالياً بهذه السرعة؟!

هنا تتجلى الحقيقة البسيطة التي كثيراً ما نتجاهلها، إذا كانت الموهبة تصنع الإنجاز، فإن التخطيط هو ما يحميه مالياً. المسيرة الرياضية بطبيعتها، قصيرة نسبياً، قد يبلغ اللاعب ذروة عطائه في سن مبكرة، في حين يمتد عمره بعد الاعتزال لعقود طويلة تحتاج إلى دخل مستدام.

المشكلة لا تكمن في حجم ما يكسبه الرياضي، بل في غياب منظومة إدارة مالية تحوّل هذا الدخل المؤقت إلى استقرار طويل الأمد.

هناك عوامل أخرى تزيد من هشاشة الوضع المالي لبعض النجوم، منها غياب الثقافة المالية المبكرة، والانجذاب إلى استثمارات غير مدروسة، أو نمط الحياة، حيث قد تتحول الثروة من فرصة لبناء مستقبل آمن إلى مورد سريع الزوال. وما ينطبق على الرياضيين ينطبق أيضاً على الفنانين والمبدعين وأصحاب المهن الحرة، فهذه المهن تقوم على فترات صعود سريعة ودخل غير منتظم، ما بين عقود قصيرة الأجل، ومكافآت موسمية.

ورغم ما توفره هذه الفترات من فرص لتحقيق عوائد مرتفعة، فإنها تحمل في الوقت ذاته مخاطر التقلب وعدم الاستمرارية. من هنا، يصبح التخطيط للتقاعد في المهن غير الدائمة ضرورة تبدأ من أول إنجاز مهني، لا قراراً مؤجلاً إلى ما بعد انتهاء المسيرة، كل فترة دخل مرتفع يجب أن تُدار بعقلية استدامة.

جزء من كل إنجاز مالي ينبغي أن يتحول إلى أصل طويل الأمد، سواء عبر ادخار منظم، أو استثمار مدروس، لكن المسؤولية لا تقع على الفرد وحده، فهناك دور محوري يمكن أن تلعبه الأندية والاتحادات والمؤسسات المهنية، من خلال إدماج برامج التثقيف المالي ضمن الأكاديميات، وتشجيع ثقافة الادخار المنتظم منذ المراحل المبكرة للاحتراف.

كما يمكن ربط بعض العقود المهنية ببرامج ادخارية تعزز مفهوم الاستدامة المالية. إن تمكين أصحاب المهن غير الدائمة مالياً لا يحميهم فقط أفراداً، بل ينعكس إيجاباً على المجتمع والاقتصاد جميعاً، فهو يقلل من حالات التعثر بعد الاعتزال، ويحوّل النجومية إلى رأس مال منتج، ويرسّخ نموذجاً ناضجاً للنجاح.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

 

تويتر