تعديل حداثي

لم يكن تنظيم دوائر التركات مجرد تعديل إجرائي عابر ضمن قانون المعاملات المدنية الجديد رقم (25) لسنة 2025، بل يعكس تحولاً حقيقياً في فلسفة إدارة المنازعات المدنية، خصوصاً تلك المرتبطة بالتركات وما تحمله من حساسية أسرية وتشابكات مالية، وهي تجربة طبقتها إمارة دبي من خلال محكمة التركات.

التعديلات دخلت مع القانون حيز التنفيذ مطلع العام الجاري، وجاءت لتمنح رئيس مجلس القضاء الاتحادي أو رئيس الجهة القضائية المحلية سلطة إنشاء دوائر تركات بقرار مباشر، دون اشتراط اتفاق الخصوم.

في ظل التشريع السابق، لم يكن إنشاء دوائر متخصصة للتركات يتم بهذه المباشرة، وكانت الإجراءات تسير ضمن الإطار العام لتوزيع الاختصاص داخل المحاكم، ما قد يؤدي إلى تداخل الملفات، وتفاوت الخبرة، وأحياناً إطالة أمد النزاع بسبب تعقيدات فنية تتطلب فهماً دقيقاً لقواعد الميراث والحصر والتصفية.

أما اليوم، فقد أصبح إنشاء دوائر التركات يتم بقرار تنظيمي واضح من رأس الهرم القضائي، وفقاً لمقتضيات المصلحة القضائية، وهذا يعني أن المشرّع انتقل من منطق «الاستجابة للحالة» إلى منطق «التخطيط المسبق»، بما يعزز مرونة النظام القضائي وقدرته على استيعاب طبيعة النزاعات المتخصصة.

وتتجلى أهمية هذا التعديل في ثلاثة أبعاد رئيسة:

أولاً: تسريع الفصل في المنازعات، لأن قضايا التركات بطبيعتها تمس حقوق عدد من الورثة، وغالباً ما تتشابك فيها المسائل العقارية والمصرفية والتجارية، ومن ثم فإن وجود دائرة متخصصة يختصر الوقت اللازم لفهم طبيعة النزاع، ويقلل من احتمالات التأجيل المتكرر، ويُسرّع إيصال الحقوق إلى أصحابها.

ثانياً: تبسيط الإجراءات، فالتخصص القضائي لا يعني فقط قاضياً متخصصاً، بل منظومة عمل أكثر دراية بتفاصيل حصر التركة، كتعيين المصفي، وإدارة الأموال، والفصل في المنازعات بين الورثة، وهذا ينعكس على جودة القرارات وسرعة تنفيذها، ويقلل من الأخطاء الإجرائية التي قد تؤدي إلى الطعن.

ثالثاً: تكريس مبدأ التخصص كخيار استراتيجي، فالتعديل لا يقف عند حدود التركات، بل ينسجم مع رؤية أوسع لتوسيع نطاق الدوائر المتخصصة داخل المحاكم، وهو اتجاه حديث في الأنظمة القضائية المتقدمة، يقوم على أن تعقيد المعاملات الحديثة يتطلب قضاءً أكثر تخصصاً لا أكثر عمومية.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

الأكثر مشاركة