المرحلة الذهبية لغرس القيم بالقدوة
نعم، المراهقة في حقيقتها هي المرحلة الذهبية لتثبيت ما زُرع في الطفولة بتطبيق عملي، وترسيخ القيم التي سترافق الإنسان طوال حياته. في هذه الفترة تتشكل الهوية بوعي أكبر، ويبدأ الشاب والفتاة في إعادة ترتيب ما تلقياه من مفاهيم، لا رفضاً لها، بل بحثاً عن معناها الخاص في حياتهما.
القيم في هذه المرحلة لا تُغرس بالخطاب المباشر وحده، ولا بالتوجيه المتكرر، بل بالتعليم التطبيقي الملاصق للحياة اليومية.
حين يرى الابن في والده مثالاً في المسؤولية والاتزان والاحترام، في المنزل وفي مجالس الرجال، وحين تلمس الابنة في والدتها نموذجاً في الحكمة والوعي والالتزام ورقيّ التعامل، تتحول القيم إلى ممارسة حيّة، لا عبارات محفوظة.
وفي مجتمعنا الإماراتي، القائم على أصالة العادات والتقاليد وترابط الأسرة، يظل للأب دور محوري في توجيه الابن نحو فهم الرجولة بمعناها الحقيقي: مسؤولية، وأخلاق، والتزام، وقدرة على حمل الأمانة. كما يبقى للأم أثر عميق في تشكيل وعي ابنتها بذاتها، وبقيمها، وبمكانتها، وبقدرتها على التوازن بين الطموح والهوية. وكلاهما يؤديان دوراً محورياً في بناء شخصية تحمل موروث السنع، وفنّ التعامل، وحسن التواصل مع الآخر.
غير أن هذا الدور لا يعني الفصل التام بين التأثيرات؛ فالمراهق يتعلم من والديه معاً. غير أن وجود نموذج قريب يماثله في الجنس يُسهّل الحوار في بعض القضايا الخاصة، ويمنح مساحة أكثر راحة للنقاش والتوجيه.
المراهقة، إذاً، ليست مرحلة انفصال عن الأسرة، بل مرحلة انتقال من التلقّي إلى المشاركة.
هنا يصبح الحوار أعمق، والمسؤولية أكثر وعياً، والقيم أكثر رسوخاً حين تُشرح وتُعاش في آنٍ واحد.
وحين يعي الأبوان أن هذه الفترة نافذة ذهبية لتعزيز العادات الصحية، والقيم الاجتماعية، واحترام التقاليد، والانتماء الوطني، فإنهما لا يكتفيان بالحفاظ على ما مضى، بل يؤسسان لأسرة المستقبل.. فالشاب والفتاة اللذان يعيشان القيم في بيت متماسك، يصبحان لاحقاً قادرين على نقلها بثقة إلى الجيل القادم.
في هذه المرحلة، نتشارك مع أبنائنا وبناتنا ما غرسناه من قيم، ونثبّتها لتتحول من تعليمات إلى قناعات. وهنا تكمن أهميتها الحقيقة.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.