الضمير الغائب

في اللغة قد يُحذف الفاعل اختصاراً، ويبقى المعنى قائماً لا يختل.. أما في الحياة العامة، فحين يحذف الضمير، لا يختصر شيئاً، بل تتسع الفجوة بين ما يقال وما يحسّ، وبين ما ينجز وما يفترض أن يكون.

نعيش زمناً صار فيه الإيقاع أسرع من القدرة على الفهم، وصار الإنجاز قيمة مستقلة لا يُسأل عن أثرها. كل شيء يجب أن يتحرّك، أن يُغلق، أن يُنجز في موعده، ولو على حساب المعنى. تدار الأمور وفق جداول محكمة، وتقاس النتائج بأرقام دقيقة، فيما يترك السؤال الأهم معلّقاً: ماذا خسرنا ونحن نربح هذا التسارع؟

الأرقام تمنح شعوراً زائفاً بالسيطرة، وتُغري بالاكتفاء بها معياراً وحيداً، لكن ما لا يقاس يتراكم بصمت. التجارب الإنسانية، بما تحمله من تعقيد وتفاوت، لا تجد مكاناً لها في معادلة تحب الاختصار وتكره الاستثناء.

يخرج أناس من تجاربهم وهم يشعرون أنهم لم يُروا كما يجب، لم يكن هناك وقت كافٍ للإنصات، ولا مساحة لشرح ما لا يُختصر في جملة أو رقم، ليس لأنهم أخطأوا، بل لأن الإيقاع العام لا يسمح بالتوقّف طويلاً، ولا يعترف بأن بعض الأمور تحتاج إلى زمن لتُفهم.

فهناك مواقع لا يكون فيها القرار مجرّد إجراء، بل يكون فصلاً أخيراً في حكاية إنسان، لا يملك بعدها حق المراجعة، ولا ترف الخطأ، مهما بدا المسار منضبطاً على الورق.

تتشابه القرارات حين تُبنى على قوالب جاهزة. تتقارب الصياغات، وتتماهى النتائج، كأن الوقائع متطابقة، وكأن البشر عبارة عن نسخ مكررة. الشكل يكون سليماً، والترتيب منضبطاً، لكن الروح غائبة. ما يُتخذ يكون متوقعاً، لا بالضرورة مطلوباً، ومريحاً للمنظومة أكثر مما يكون منصفاً للأثر.

الأخطر من ذلك، أن التروّي بات يُنظر إليه بوصفه عبئاً، وأن السؤال صار تعطيلاً، وأن التفكير العميق أصبح مجازفة غير محسوبة، الخوف من التوقّف لا يُقال صراحة، لكنه حاضر في كل خطوة تختصر، وفي كل معنى يُؤجَّل.

وفي مواقع كهذه، لا يُقاس الثمن بما أُنجز، بل بما لا يمكن إصلاحه لاحقاً، لأن هناك قرارات، حين تمرّ، لا تمرّ وحدها، بل تترك أثراً دائماً لا تُغيّره المبررات ولا تُخفّفه الإحصاءات.

وهكذا يتحول الضمير إلى خانة اختيارية. وجوده مستحسن، لكن غيابه لا يُسجَّل خللاً. المهم أن يستمر المسار، وأن تبقى العجلة دائرة، أمّا ما يُترك خلفها، فيُعدّ كُلفة جانبية لا تظهر في التقارير.

ربما لا نحتاج إلى البحث عمّن أخطأ، بقدر ما نحتاج إلى سؤال أبسط وأقسى:

متى غاب الضمير؟

وكيف اعتدنا غيابه، ونحن نُحصي كل شيء.. إلا الإنسان؟

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه. 

الأكثر مشاركة