الإعداد لشهر الزاد

يغفل كثير من الناس عن القيم التربوية والمعاني الروحية العميقة التي يختزنها شهر شعبان، في حين تتجه القلوب إلى ترقّب هلال شهر رمضان المبارك، الذي يسبقه شهر شعبان، هذا الشهر الذي جعله النبي محطةً فاصلة بين رجب ورمضان، ووصفه بأنه شهر يغفل الناس عنه. وشعبان في حقيقته ليس مجرد فاصل زمني، بل هو ميدان سبق، ومدرسة إعداد متكاملة تهيئ النفس والعقل والجسد لاستقبال شهر الخيرات بوعي واتزان وخيرات حسان.

ومن أبرز معالم هذا الإعداد: الصيام، فقد ثبت في الصحيح أن النبي كان يُكثر الصيام في شعبان، حتى قالت أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها: «ما رأيته استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان». وهذا الإكثار لا يُفهم على أنه مجرد مضاعفة أجر، بل تربية عملية للنفس على الصبر، وتدرّج حكيم في الانتقال إلى صيام رمضان، حتى لا يدخل المؤمن الشهر الفضيل بجسد مثقل ونفس منهكة.

وكان الصالحون يسمّون شعبان «شهر القُرّاء»، إذ يُقبلون فيه على تلاوة القرآن وتدبّره، تمهيداً للتفرغ الأعمق في رمضان، فالاستعداد الحقيقي لرمضان لا يبدأ مع أول ليلة منه، بل بإحياء العلاقة مع كتاب الله قبل ذلك، حتى يدخل العبد رمضان ولسانه رطب بالذكر، وقلبه مألوف بنور الوحي.

ولا يكتمل الاستعداد دون الاستغفار، كونه في شعبان يُمثّل تنقية للصحائف، وإزالةً لأثقال الذنوب التي تحول بين القلب ولذة العبادة. وكان الصالحون يعدّون الاستغفار مفتاح القبول، وسبباً لانشراح الصدر، وسلامة المسير.

وجاء في الهدي النبوي الشريف «يَطَّلِعُ اللهُ إلى خلقه ليلةَ النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشركٍ أو مشاحن»، المشاحن هنا من أصرّ على البغضاء والشحناء في قلبه تجاه الآخرين، أي صاحب العداوة والخصومة، وليس من وقع في خلاف عابر، فالشحناء تمنع القرب من الله، وتوضح أهمية الإصلاح والمصافحة وتصفية القلوب قبل بلوغ ليلة المغفرة، ومن خلالها يتفيّأ المؤمن محاسن القيم، ويتنزّه عن مساوئ الشيم.

لهذا فإن الاستعداد لشهر الخيرات ليس بكثرة المشتريات، بل هو إعمار للوقت بالطاعات، واغتنام لمواسم الغفلة بالقربات، وسيرٌ متدرّج بعقلٍ حكيم ونفسٍ متزنة نحو رمضان. فمن أحسن الإعداد في شعبان، أحسن الحصاد في رمضان، وكان من السابقين إلى الخيرات، السامين في الدرجات.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه. 

الأكثر مشاركة