الرواية تتصدر «القاهرة للكتاب»

معرض القاهرة الدولي للكتاب مدينة مؤقتة تُبنى كل عام من العناوين والحوارات والوجوه. ممرات مكتظة، وحقائب تتثاقل بالكتب، وقرّاء جاؤوا من محافظات مصر ومن عواصم عربية عدة، في حين كان حضور دور النشر الخاصة لافتاً بما أضفاه من تنوع وحيوية. داخل هذه المدينة تتقدم الرواية المصرية إلى الواجهة، لا بوصفها جنساً أدبياً رائجاً فحسب، بل مرآة واسعة تعكس قلق الإنسان العربي وأسئلته الكبرى: من الذاكرة الفردية إلى المصير الجماعي، ومن الحارة الشعبية إلى الديستوبيا الرقمية.

في هذا السياق، جاء إعلان وزارة الثقافة عن إطلاق جائزة نجيب محفوظ لأفضل رواية عربية بقيمة نصف مليون جنيه وميدالية ذهبية إشارة دالة على أن السرد لايزال في قلب المشهد الثقافي، وأن الرواية تحتفظ بمكانتها فنّاً للتفكير في الزمن والإنسان. وتتعزّز هذه الدلالة مع هوية الدورة الراهنة للمعرض: نجيب محفوظ شخصية عامة للمعرض، ومحيي الدين اللبّاد شخصية لمعرض الطفل بوصفه معلّماً للصورة والدهشة، في حين تحضر رومانيا ضيفَ شرف ليس كونها عنواناً بروتوكولياً، بل نافذة على ترجمة متبادلة وحوار ثقافي.

زخم المعرض يُقاس هذه المرة بالأرقام وبالنبض معاً: برنامج يضم نحو 400 فعالية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية. كأن القاهرة تحوّل القراءة إلى مهرجان عام، وتستدعي الرواية والشعر والفكر إلى ساحة واحدة تقدم مبادرات عملية: مكتبة لكل بيت بحقائبها المختارة، وقصر الثقافة الرقمي، والتوسّع في تطبيق كتاب بإتاحة عناوين مجانية وكتب صوتية، في محاولة لإخراج المعرفة من قاعات العرض إلى البيوت والهواتف.

أسعدتني رؤية الحضور الإماراتي في قلب جناح اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، بـ331 إصداراً، برهان عملي على أن «المشهد الثقافي» فعل تراكمي لا شعار عابر، وأن المعرفة تُبنى رفوفاً وتجارب لا بيانات وخطابات. وجاءت مشاركة مكتبة محمد بن راشد، للمرة الأولى، لتؤكد نموذج المؤسسة الثقافية المعاصرة القادرة على الجمع بين كونها بيتاً للكتاب ومنصة حية للأفكار والحوار. واكتمل المشهد بندوة سفارة الإمارات بالقاهرة، بالتعاون مع الأرشيف والمكتبة الوطنية، حول القراءة في عصر الذكاء الاصطناعي، لتضع المعرض في قلب مفارقته الأعمق، وهو أن زحام الورق ليس نقيضاً للعصر الرقمي، بل ضميره؛ يذكّره بأن الإنسان لا يعيش بالمعلومة وحدها، بل بالمعنى، وبالدفء، وباللمسة الإنسانية التي لا تنافسها الخوارزميات.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه. 

الأكثر مشاركة