حجية الأمر المقضي

في منظومة العدالة هناك لحظة يجب أن يتوقف عندها النزاع، وذلك حين يقول القضاء كلمته النهائية، ما يعرف قانوناً بـ«حجية الأمر المقضي»، وهو مبدأ يمثل ضمانة أساسية لاستقرار الحقوق ومنع تأبيد الخصومة.

وتوضيحاً لذلك، بحسب ما استقر عليه قضاء محكمة التمييز، فإن الحكم القضائي النهائي متى فصل في مسألة أساسية بين الخصوم، فإنه يحوز قوة تمنع إعادة طرح النزاع ذاته من جديد، طالما اتحد الخصوم والموضوع والسبب.

والعلة هنا ليست شكلية، بل عميقة، لأنه لو سُمح بإعادة فتح النزاعات التي حُسمت فلن تستقر حقوق، ولن تُغلق خصومة، وسيتحول التقاضي من وسيلة للعدالة إلى أداة استنزاف.

ولهذا عدّ المشرّع الدفع بحجية الأمر المقضي من النظام العام، تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها حتى لو لم يتمسك به الخصوم.

ويمكن الاستدلال بنزاع قضائي أُثير أخيراً بين شركتين أمام المحكمة المدنية، طالبت فيه المدعية بقيمة شيك رغم أنه كان محل بحث وفصل سابق أمام محكمة التمييز التي أدرجته من جانبها ضمن تسوية نهائية تجبّ ما قبلها، وتشكل صلحاً لا يجوز تجزئته أو الرجوع عنه.

ورغم ذلك عادت المدعية بعد سنوات، لا لمجرد المطالبة بالمبلغ، بل بإعادة النظر في أحكام صدرت من محكمة التمييز وأصبحت باتة.

المحكمة الابتدائية رفضت الدعوى، ولم تدخل في إعادة حساب المديونية، أو تبحث قيمة الشيك من جديد، بل انطلقت من مبدأ حاسم، وهو سبق الفصل في النزاع، ورأت أن الدعوى الحالية امتداد لخصومة قديمة.

المبدأ المستقر الذي أكدته المحكمة الابتدائية في هذه الدعوى هو أنه إن كان لا يجوز لها أن تتسلط على قضائها، فمن باب أولى لا يجوز لها أن تتسلط على قضاء محكمة أعلى إلا في حالات استثنائية ضيقة تتعلق بانعدام الحكم، لا مجرد الاختلاف معه.

والرسالة الأهم أن العدالة لا تتحقق بكثرة الدعاوى، بل بوضوح النهاية، وحجية الأمر المقضي ليست قيداً على حق التقاضي، بل حد فاصل بين حق مشروع في اللجوء إلى القضاء، ومحاولة غير قانونية لإحياء نزاع حُسم بالفعل، وهذا من شأنه أن يحمي منظومة العدالة من أن تتحول إلى دائرة لا تنتهي.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

 

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه. 

الأكثر مشاركة