تقييم القطاع الخاص.. عندما تتحدث الأرقام

في عالم الاقتصاد، قد تنجح بعض المؤسسات في تجميل صورتها لفترة، وقد تتقن لعبة العلاقات العامة، وتتقن - أكثر - فن صناعة الانطباعات، لكن هناك حقيقة واحدة لا يمكن الالتفاف حولها: تقييم الأداء لا يكذب؛ فالأرقام لا تعرف المجاملة، والسوق لا يمنح فرصاً مجانية، والنتائج المالية لا يمكن التلاعب بها إلى الأبد، ومهما حاولت بعض مؤسسات القطاع الخاص إخفاء عثراتها، فإن الفشل - بطبيعته - يملك قدرة خارقة على الظهور، تماماً كما يظهر الشق في جدار قديم مهما طُلي بالدهان، فالقطاع الخاص ليس مؤسسة حكومية يمكنها الاحتماء بميزانية الدولة أو تأجيل مواجهة الواقع، إنه ساحة مفتوحة يحكمها منطق بسيط «من ينجح يستمر»، ومن يفشل يسقط، لذلك حين نتحدث عن تقييم أداء مؤسسات القطاع الخاص، فنحن نتحدث عن عملية تشبه الفحص الطبي الشامل؛ لا يمكن إخفاء الأمراض المزمنة مهما كانت مهارة الطبيب في التهدئة.

قد تتأخر المؤشرات قليلاً، وقد تتباطأ ردود أفعال السوق، لكن في النهاية تظهر الحقيقة، فالشركة التي تعاني من سوء إدارة، أو ضعف في التخطيط، أو غياب للرؤية، ستجد نفسها عاجلاً أو آجلاً أمام جدار الإفلاس، والتاريخ الاقتصادي مليء بأمثلة لشركات كانت تُصنَّف «نماذج نجاح»، لكنها انهارت بمجرد أن اصطدمت بالواقع، لأن تقييم الأداء كشف ما حاولت إخفاءه لسنوات، وفي القطاع الخاص، لا يمكن لأي مؤسسة أن تتجاهل لغة الأرقام. فالتقارير المالية، نسب الربحية، معدلات النمو، حجم الديون، كفاءة التشغيل.. كلها مؤشرات تتحدث بصوت أعلى من أي خطاب إعلامي، وحتى لو حاولت بعض الإدارات التلاعب بالمشهد، فإن السوق، والمستثمرين، والمستهلكين، يملكون حساسية عالية تجاه أي خلل.

في النهاية، القطاع الخاص لا ينهار بسبب الفشل، بل بسبب تجاهل الفشل. والتقييم، مهما بدا قاسياً، هو الحقيقة الوحيدة التي تمنح المؤسسات فرصة النجاة قبل أن يتحول التعثر إلى سقوط، والسقوط إلى إفلاس.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

 

الأكثر مشاركة