مالك حسّ

متى كانت آخر مرة رفعت فيها الهاتف واتصلت بأحد الأهل أو الأصدقاء؟ أغلبنا لديه شخص أو اثنان يحافظ معهما على تواصل مستمر بصورة شبه يومية دونما انقطاع، أما بقية الدائرة الاجتماعية، فقد اختُصر حضورها في رسائل مكتوبة، وبضع صور وملصقات يتم تبادلها صباحاً ومساءً، ويوم الجمعة والأعياد والمناسبات، عبر تطبيقات المراسلة الفورية، أو تبادل المقاطع والمحتويات في وسائل التواصل الاجتماعي.

المفارقة أن ما نطلق عليه اليوم «تواصلاً اجتماعياً» بات في كثير من الأحيان شكلاً من أشكال التباعد، رسائلنا أصبحت سريعة ومختصرة وجافة، تُقرأ وتُنسى دون أثر يُذكر، ورغم أن هذه التطبيقات ذاتها توفر خاصية التواصل الصوتي، سواء عبر المكالمات أو الملاحظات الصوتية، فإننا نتجنب استخدامها لأسباب متعددة؛ منها الرغبة في الخصوصية، أو الإرهاق الذهني، أو ما يمكن تسميته بانخفاض «الطاقة الاجتماعية»، أو ضيق الوقت.. تختلف الدوافع، لكن النتيجة واحدة: غياب صدى أصواتنا من حياتنا اليومية.

الصوت ليس مجرد وسيلة تواصل أو نقل معلومة أو خبر، بل هو ناقل وحامل لكل أشكال المشاعر، نبرة صوت قصيرة قد تختصر صفحات من الكتابة، وتعبير بسيط قد يعيد دفء علاقة بدأت تبرد بصمت بين الأهل والأحبة، ومع الوقت، أصبحنا نتبادل الكلمات دون أن نلتمس الأفكار والنوايا القابعة خلف تلك الكتابات التي يسودها الغموض في كثير من الأحيان، وقد تفسر بغير ما كتبت لأجله.

الدعوة هنا ليست بالضرورة للعودة إلى المكالمات الطويلة التي تتطلب وقتاً وترتيباً مسبقاً، بل إلى خطوة أبسط وأكثر إنسانية: رسالة صوتية قصيرة، دقيقة واحدة كفيلة بإحياء شعور القرب، وبإعادة لمسة إنسانية افتقدناها في التواصل الكتابي الجاف، لعلنا بذلك نعيد للصوت مكانته، ونعيد للتواصل روحه، قبل أن يتحول بالكامل إلى نص بلا حياة، وينتهي بنا الأمر إلى نسيان أصوات من نحب.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

 

الأكثر مشاركة