الملاحظة الواعية.. رعاية تسبق المعالجة

*نائب مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية - قطاع الخدمات المساندة

الدكتورة سميرة النعيمي*

كثيراً ما تُفهم ملاحظة الوالدين أبناءهما على أنها شكل من أشكال الرقابة، تلك التي ينظر إليها الأبناء بسلبية بوصفها تدخلاً أو تشكيكاً أو تضييقاً. غير أن الملاحظة في جوهرها التربوي والنفسي أعمق من ذلك بكثير؛ فهي ليست رقابة بقدر ما هي حضور واعٍ واحتواء يقظ، يهدف إلى الفهم قبل الحكم، وإلى الرعاية قبل المعالجة.

فالملاحظة الواعية تعني أن يكون الوالدان منتبهين لتطور أبنائهما الجسدي والنفسي والسلوكي، دون تضخيم أو تهويل. أن يلاحظا تغيّرات المزاج، أو تراجع الحماسة، أو صعوبة التفاعل مع الآخرين، أو اختلاف ردود الفعل عمّا اعتاداه سابقاً. هذه الملاحظات لا تهدف إلى تصنيف السلوك على أنه مشكلة، بل إلى طرح سؤال بسيط وعميق في آن واحد: ماذا يحدث؟ لا ما الخطأ؟

وحين تكون الملاحظة مصحوبة بالاحتواء، يشعر الطفل بالأمان لا بالتهديد، فيطمئن للتعبير عمّا يمرّ به، ويشعر أن والديه مساندين لا مراقبين. هنا تتحول الملاحظة إلى أداة فهم لا أداة ضبط، وإلى جسر حوار بدلاً من أن تكون سبباً للمواجهة. وتزداد قيمة هذه الملاحظة عندما تتحول إلى تدارس هادئ بين الوالدين، بعيداً عن التسرع أو إلقاء اللوم. فالنقاش المشترك حول ما لوحظ من سلوك أو تغيّر يفتح الباب لاختيار الأسلوب الأنسب للتقويم، أو لتعديل البيئة المحيطة، أو لتقديم دعم إضافي في الوقت المناسب، بهدوء وسرية، ومع المحافظة على خصوصية الأبناء. وفي كثير من الأحيان، يكفي هذا الوعي المبكر لتصحيح المسار دون الحاجة إلى تدخلات لاحقة أكثر تعقيداً.

إن كثيراً من التحديات النفسية والسلوكية لا تظهر فجأة، بل تسبقها إشارات صغيرة، لو أُحسن فهمها والتعامل معها، لأمكن تجنبها أو على الأقل تداركها في بداياتها. ومن هنا تتجلّى قيمة الرعاية قبل المعالجة؛ فالرعاية الواعية تختصر مسافات طويلة من القلق، وتقلّل من الحاجة إلى حلول متأخرة قد تكون أكثر كلفة على الطفل والأسرة. ولا تقتصر الملاحظة الواعية على الأسرة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة مع العاملين في المؤسسات التعليمية من معلمين ومشرفين، بوصفها جزءاً أساسياً من رعاية الطفل ودعماً حقيقياً لمجتمع قوي ومتماسك.

ولا يكتمل التعلّق الآمن إلا بوجود ملاحظة واعية من كل من يقدّم الرعاية للطفل، وهو ما يمنحه شعوراً دائماً بأنه مرئي، ومفهوم، ومحتوى.

حين نلاحظ أبناءنا باحتواء، فإننا لا نبحث عن الأخطاء، بل نحمي مسار نموهم.. وحين نُحسن الملاحظة، نُحسن الرعاية.. ونتفادى المعالجة.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه. 

تويتر