الاقتصاد الرقمي: من الخدمات إلى خلق القيمة

لم يعد التحول الرقمي في الاقتصادات الحديثة خياراً تقنياً أو مشروع تحديث إداري، بل أصبح أحد المحددات الأساسية لقدرة الدول على تحقيق نمو مستدام وتعزيز تنافسيتها. غير أن التجربة العالمية تؤكد أن «الرقمنة»، بحد ذاتها، لا تضمن عائداً اقتصادياً تلقائياً، ما لم تُترجم إلى قيمة مضافة حقيقية في الإنتاجية ونماذج الأعمال وصنع القرار.

خلال السنوات الماضية، حققت دولة الإمارات تقدماً ملموساً في رقمنة الخدمات الحكومية، وتبسيط الإجراءات، وتحسين تجربة المتعاملين. وقد انعكس هذا التقدم إيجاباً على كفاءة الخدمات وسرعتها، وأسهم في تعزيز بيئة الأعمال، إلا أن التحدي لا يكمن في توسيع نطاق الرقمنة، بل في تعميق أثرها الاقتصادي وتحويلها إلى محرّك فعلي للنمو. فالاقتصاد الرقمي لا يُقاس بعدد التطبيقات أو المنصات، بل بقدرته على رفع إنتاجية العاملين، وخفض التكاليف، وخلق قطاعات ذات قيمة عالية. والتحول الحقيقي يبدأ عندما تنتقل «الرقمنة» من كونها أداة خدمية إلى محرك لإعادة تصميم سلاسل القيمة، وتمكين القطاع الخاص من التوسع والنمو.

وتشير تقارير صندوق النقد الدولي 2024–2025 إلى أن الدول التي تربط التحول الرقمي بإصلاحات هيكلية شاملة، تحقق مكاسب أعلى في الإنتاجية والنمو، مقارنة بتلك التي تكتفي برقمنة الخدمات. فحين يُقترن الاستثمار التقني بتطوير الأطر التنظيمية، وبناء المهارات الرقمية، ينعكس الأثر مباشرة على جودة النمو واستدامته، لا على سرعة التحول فقط. وفي هذا السياق، يبرز الفرق بين «رقمنة الخدمات» و«رقمنة الاقتصاد». فالأولى تحسّن الكفاءة التشغيلية، لكنها غالباً ما تبقى محدودة الأثر، في حين أن الثانية تفتح المجال أمام نماذج أعمال جديدة، وأسواق رقمية عابرة للحدود، وسلاسل إمداد أكثر مرونة، كما تتيح توظيف الذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة لتحسين القرارات الاقتصادية.

ويظل رأس المال البشري العنصر الحاسم في هذه المعادلة. فالتقنية، مهما بلغت درجة تطورها، لا تُنتج قيمة دون كوادر قادرة على توظيفها بفعالية. ومن هنا، يصبح الاستثمار في المهارات الرقمية، وإعادة تأهيل القوى العاملة، شرطاً أساسياً لتحويل التحول الرقمي إلى نمو حقيقي في الإنتاجية والدخل.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه. 

الأكثر مشاركة