زحمة في الرأس

يتم تقطيع الخضراوات بهدوء، ثم يُبهّر اللحم بعناية، وتأتي القطة لتلعب بجانبها، ومعها الغراب، ثم لقطة أوسع على بيتها الريفي في شاهداغ بأذربيجان. حياتي صاحبة فيديوهات على «يوتيوب» تجاوزت مشاهداتها ملياري مشاهدة.

تخيل فيديوهات لروتين يومي بسيط، لا تنطق فيها بحرف واحد، تمتد لأكثر من 30 دقيقة، ومع ذلك تُشاهَد بالملايين. وليست هي وحدها، مقاطع لتقطيع الصابون، أو شخص يجلس ليأكل فقط، أو عامل يغسل السجاد بالصابون والماء.

القاسم المشترك بينها جميعاً: الصمت.. حضور التفاصيل وغياب الكلام.

سرّ نجاح هذه الفيديوهات لا يكمن في بساطتها، بل في زحمة رأس المشاهد، رأس ممتلئ بترهات مديره «السايكو» الثرثار، وبطلبات البيت، وتنبيهات فواتير الاتصالات والكهرباء، ورسائل البنك التي تُبلغه - قبل أسبوعين كاملين - بأن موعد الاستقطاع قادم.

وحتى اليوم لم أجد سبباً منطقياً يجعل البنك يذكّر المقترض قبل أسبوعين، سوى أنه يريد التنكيد عليه. وما نعيشه إحساساً يومياً بدأت الأرقام تُثبته رسمياً.

ففي دراسة لافتة صرّحت بها وزيرة الأسرة، أشارت إلى أن قضاء 90 دقيقة يومياً في الزحام يُفسد مزاج الأسرة ويُقلّل فرص الإنجاب بنسبة تصل إلى 20%، وفق دراسات أوروبية.

هذه الدراسة تكشف ثمن الزحام حين ينتقل من الشارع إلى داخل البيت.

أنت حين تعود إلى بيتك بعد صراعات الشوارع، والغضب الذي ينفجر على أتفه الأسباب، نتيجة حرق ساعاتك اليومية في الزحام والإنهاك، لن تفكّر في الإنجاب فقط.ستفكّر لماذا لا تكون طاولة، أو طيراً يُحلّق بعيداً، أو شجرة واقفة في مكانها، لا تُطالب ولا تُحاسَب.

ولا نحتاج إلى دراسة أوروبية كي نُصدّق ذلك.

يكفي أن تقف على جسر يعلو شارعاً مزدحماً، وتراقب وجوه السائقين وحركة أجسادهم داخل المركبات.

ستقرأ كلماتهم غير المنطوقة، وتفهم تعابيرهم، كما كنت تتابع سكون فيديوهات السيدة الريفية.

فالزحمة الحقيقية لم تعد في الطريق فقط، بل في الرأس.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة