التعلّق الآمن.. الأساس الخفي للصحة النفسية

*نائب مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية - قطاع الخدمات المساندة

الدكتورة سميرة النعيمي*

حين نتحدث عن الصحة النفسية، غالباً ما يتبادر إلى الذهن العلاج أو التدخل عند ظهور المشكلات، بينما تغيب عنا حقيقة جوهرية، مفادها أن الصحة النفسية لا تبدأ بالعلاج، بل من اللحظة الأولى التي يشعر فيها الطفل بالأمان، فهذا الشعور المبكر هو ما يُعرف بالتعلّق الآمن، وهو الأساس الخفي الذي يُبنى عليه الاتزان العاطفي والاستقرار النفسي للإنسان لاحقاً.

يتشكّل التعلّق الآمن عندما ينشأ الطفل في بيئة يجد فيها استجابة ثابتة وحنونة لاحتياجاته، ويشعر بأن مشاعره مسموعة ومحتواة، وأن العالم من حوله مكان يمكن الوثوق به. هذا الأمان لا يعني الحماية المفرطة ولا تلبية كل رغبة، بل يعني حضوراً عاطفياً متزناً، واستجابة واعية، وثباتاً في الرعاية.

فالطفل الذي ينمو وهو يحمل هذا الشعور الداخلي بالأمان، يكتسب مع الوقت قدرة أفضل على فهم مشاعره وتنظيم انفعالاته، ويصبح أكثر مرونة في التعامل مع الضغوط والتحديات. ومع تقدمه في العمر، ينعكس ذلك على علاقاته الاجتماعية، وثقته بذاته، وقدرته على بناء روابط صحية ومتوازنة مع الآخرين.

ولا تقتصر آثار التعلّق الآمن على مرحلة الطفولة، بل تمتد إلى مرحلة الشباب والرشد، حيث تُسهم في تكوين إنسان ثابت نفسياً، قادر على تحمّل المسؤولية، وإدارة الخلاف، وبناء أسرة قائمة على الأمان العاطفي لا على القلق أو الخوف. فالشخص الذي لم يختبر الأمان في بداياته، قد يجد صعوبة لاحقاً في منحه لشريك حياته أو لأبنائه.

ومن هنا، فإن الحديث عن الأسرة المتماسكة لا ينفصل عن الحديث عن الصحة النفسية، ولا يمكن اختزالها في القيم أو الأدوار وحدها دون الالتفات إلى هذا الأساس العاطفي العميق. فالتعلّق الآمن يسبق التربية، ويهيّئ النفس لتلقّي القيم، وممارسة المسؤولية، وبناء علاقات مستقرة.

إن الاستثمار الحقيقي في الصحة النفسية يبدأ من الطفولة، ومن الأسرة تحديداً، حين نمنح أبناءنا شعوراً راسخاً بالأمان، ونربّيهم في بيئة تحتضن مشاعرهم وتدعم نموهم النفسي.

وهكذا، نُنشئ جيلاً لا يبحث عن الاستقرار في الخارج، لأنه وجده أولاً في داخله، وأصبح مؤهلاً لأن يكون شريكاً متوازناً، وأباً أو أماً قادرين على بناء أسرة آمنة ومستقرة.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر