الروبوت ما يأكّـل عيش!

الطفرة العالمية الجديدة، «الذكاء الاصطناعي والروبوتات».. مستقبل باهر، يسيل له لعاب التاجر قبل غيره.

بحسبة بسيطة من عقل السوق: روبوت واحد لا يمرض، ولا يطلب إجازة، ولا يعرف استراحة، يمكنه أن يعمل بإتقان يعادل موظفين عدة، بإنتاجية أعلى وكُلفة أقل. من زاوية الحسابات، الصورة مثالية.

لكن من زاوية الدول والمجتمعات.. الخطر أكبر مما يبدو.

القضية ليست في كفاءة الروبوت، بل في أثره. حين يُستعاض عن البشر بالآلات على نطاق واسع، فإن البطالة ليست الخطر الوحيد، بل تعطّل الدورة الاقتصادية نفسها.

فالروبوت لا يأكل، ولا يشرب، ولا يتسوق، ولا يحجز فندقاً ولا تذكرة طيران، بينما تقوم قطاعات كاملة - من تجارة وسياحة وترفيه- على إنسان يستهلك ليعيش، ويعمل ليستهلك.

خلال جائحة كورونا، أثبتت دول قوية مثل الإمارات أن البنية الرقمية تضمن الاستمرارية.

لكنها في الوقت ذاته، سارعت إلى إعادة الحياة الطبيعية، ليس ضعفاً، وإنما وعياً بأن الاقتصاد لا يعيش على الشاشات وحدها، بل على حركة البشر.

نحن مقبلون على صدمة حقيقية في سوق العمل.

الانتقال السريع وغير المتدرج نحو الأتمتة قد يُقصي أعداداً كبيرة غير مهيأة مهنياً، ويخلق اختلالاً في القوى العاملة، خصوصاً بين من لم يُمنحوا الوقت الكافي للتأقلم مع التغيير.

والفارق الجوهري هنا أن الثورات الصناعية السابقة - من الآلة البخارية إلى المصانع- كانت تستغني عن أدوات، لكنها تُبقي الإنسان في قلب المعادلة.

أما الذكاء الاصطناعي، فهو يحل محل الإنسان ذاته، لأنه يفكر كما يفكر.

ومهما تسارعت الأنظمة وتقدّم الإنجاز، تبقى اللمسة البشرية غير قابلة للاستبدال؛ حديث عابر في مقر العمل، ممرضة تداوي مريضاً بنبرة وحرص قبل الدواء، أو معلمة تشجّع طفلاً وتضع على يده «النجمة».

هذه التفاصيل لا تُصنّعها الخوارزميات، ولا تُختصر في كود.

قرأت تصريحاً لإيلون ماسك يحذّر فيه من دخول تخصص الطب، بحجة أن الروبوت سيحل مكان الأطباء. وأنا أجزم: لو مرض هو نفسه، لطلب طبيباً يُنصت له.. لا آلة تُشخّصه.

لست ضد التقدم، ولا من هواة الصراع مع الزمن، ولا أكتب من موقع الخوف على الماضي، بل من موقع القلق على الإنسان في الحاضر.

الحضارات لا تُبنى بالآلات وحدها، بل بالإنسان الذي يعرف كيف يسخّرها، بوعي ومسؤولية.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

الأكثر مشاركة