عقارات دبي.. النموذج المُلهِم

لم يعد صعود سوق العقارات في دبي مجرد موجة انتعاش عابرة تُحرّكها السيولة أو الظروف الدورية، بل تحول إلى نموذج اقتصادي متكامل، يستقطب اهتمام كبريات الأسواق العالمية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. هذا ما أكدته مجلة «فوربس» الأميركية في مقال حديث للكاتب مكسيم لوكيانوف، المتخصص في تطوير الأعمال والاستراتيجيات الاستثمارية، والذي وصف دبي بأنها «مختبر عملي» يبرهن كيف يمكن للعقار أن ينتقل من كونه أصلاً استثمارياً تقليدياً إلى محرك نمو قابل للتوسع، حين تتناغم التشريعات مع التنفيذ الفعلي.

ويرتكز هذا النجاح على تلاقي ثلاثة عناصر نادراً ما تجتمع بالكفاءة نفسها: لوائح ذكية، وحوافز واضحة، وتنفيذ صارم وسريع، ففي دبي، لا يترك السوق لمنطق التأجيل أو العشوائية، بل تحكمه منظومة تجعل التأخير مكلفاً، وعدم الإنجاز خياراً خاسراً. ويبرز هنا المرسوم (رقم 33) لعام 2020، بشأن اللجنة القضائية الخاصة للمشروعات العقارية غير المكتملة والملغاة، والذي منح المحكمة الخاصة صلاحيات حاسمة لمعالجة تعثر المشروعات، بما يشمل إعادة إسنادها لمطورين آخرين، واسترداد أموال المستثمرين من حسابات الضمان.

هذا الإطار القانوني، المدعوم بقانون حسابات الضمان (رقم 8) لعام 2007، عزز ثقة المستثمرين وفرض مستوى عالياً من الانضباط على المطورين. ففي دبي، السمعة لا تقل قيمة عن رأس المال، والمطور الذي يُخل بالتزاماته يخاطر بخسارة موقعه في السوق قبل خسارة المشروع ذاته. وعلى عكس النموذج الأميركي المتشعب بين الولايات والجهات الفيدرالية، تعتمد دبي إشرافاً مركزياً عبر دائرة الأراضي والأملاك، ما يقلص التعقيد ويختصر الزمن.

وفي قطاع العقارات الفاخرة على وجه التحديد، نجحت دبي في بناء سوق قائم على طلب حقيقي ومستدام، فقد ارتفعت قيم العقارات التي تتجاوز 10 ملايين دولار بنحو 70% منذ عام 2019، بحسب وكالة «بلومبيرغ»، مدفوعة بجودة المنتج، وكفاءة الإدارة، وانخفاض تكاليف التشغيل، مقارنة بالولايات المتحدة، حيث تظل نفقات الصيانة مرتفعة. ويتجاوز نجاح النموذج البعد العقاري، ليشمل برامج الإقامة طويلة الأمد، وعلى رأسها «الإقامة الذهبية»، التي حولت الاستثمار العقاري إلى بوابة للاستقرار والعمل، لا مجرد صفقة مالية.

وإلى هنا، تبرز خلاصة التجربة في أن دبي لم تبنِ سوقاً عقارية ناجحة فحسب، بل صاغت نموذجاً متكاملاً يربط بين التشريع والتنفيذ ونمط الحياة. نموذج يبعث برسالة واضحة للأسواق العالمية: «حين تنحاز السياسات إلى الكفاءة والوضوح، يصبح العقار لغة نمو، لا مجرد أبراج شاهقة».

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

الأكثر مشاركة