ليس لكل سؤال إجابة
سألتُ ابنة أختي عمّن سيأتي غداً لزيارتنا، فردّت بأنها لا تعرف، ثم قالت وهي تبتسم: «كما تعلم ياخالو ليس لكل سؤال إجابة». ذكّرني ردها بما كتبت في مقال سابق عن تقليد الكُوآن في بوذية الزِّن، حيث يبدأ المعلّم حديثه بسؤالٍ يعرف الجميع أنه بلا حلّ. أشهر تلك الأسئلة: «ما الصوت الذي يصدر عن تصفيق يدٍ واحدة؟». الفكرة هناك أن على المتدرّب ألّا يبحث عن جوابٍ منطقي، بل يتعلّم أن يقف أمام السؤال نفسه، وأن يتقبّل حيرته.
شعرتُ أن عبارة قريبتي تشبه ما يقوله معلّم الزِن لتلاميذه. نحن اليوم نسأل عن كل شيء، عن العمل والأسعار والعلاقات والأخبار العالمية، وننتظر أن تظهر إجابة فورية على الشاشة. تعوّدنا أن يكون الهاتف مثل خبيرٍ دائمٍ في جيبنا، لكن التجربة تثبت أن كثيراً من أسئلة الحياة لا يُجاب بطريقةٍ رقمية.
الناس قبل عصر الإنترنت كانوا يعيشون مع المجهول من دون مشكلة كبيرة. لم يكن الفلاح أو التاجر يعرف ما سيحدث بعد سنة أو سنتين، ومع ذلك كان يواصل يومه. الرواقيون اليونانيون تحدّثوا عن هذا المعنى بوضوح. إبكتيتوس قال إن الحكمة هي أن نقبل ما لا نملك تغييره، وأن نركّز فقط على ما نستطيع عمله.
وفي الفلسفة الحديثة، أعاد ديكارت التأكيد على أن الشكّ خطوة ضرورية قبل أي يقين. وكانط أوضح أن للعقل حدوداً، وأن بعض الأسئلة الميتافيزيقية سيظل خارج قدرتنا. أما كارل بوبر فاعتبر أن التفكير العلمي يقوم أصلاً على احتمال الخطأ والتصحيح، أي على الاعتراف بعدم اليقين.
المشكلة الحقيقية ليست في غياب الإجابة، بل في خوفنا من هذا الغياب. نحن نظنّ أن وجود جوابٍ نهائي يعني الأمان. تقليد الكُوآن في الزِن يدرّب الإنسان على أن يتعامل مع سؤالٍ لا جواب له، مثل سؤال: «ما جوهر النفس؟»، أو «لماذا يتصرّف الناس بطريقةٍ مؤذية أحياناً؟».
لعلّ علينا أن نتعلّم من سقراط ومن معلّم الزِن معاً أن نقول «لا أعرف» من دون خجل، وأن نعيش مع أسئلةٍ ستظل مفتوحة، ومع هذا نبني بيوتنا، ونذهب إلى أعمالنا، ونتخذ قراراتنا اعتماداً على العقل والتجربة لا على وهم اليقين، فالحياة، في النهاية، ليست اختبار أسئلة وأجوبة، بل ممارسة يومية للتعامل مع عالمٍ يضمّ المعلوم والمجهول في وقتٍ واحد.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.