منصات التَّفيهق ورُواتها

ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحبَّكم إلى الله وأقربكم مني أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إلى الله وأبعدكم مني الثَّرثارون المُتفيهقون المتشدِّقون» والمتفيهقون هم الذين يتوسعون في الكلام ويفتحون به أفواههم، مأخوذ من الفَهَق، وهو الامتلاء والاتساع، ويقال: هم الذين يكثرون الكلام تكلفاً وخروجاً عن الحق، وما أكثر هؤلاء اليوم الذين يَضِلِّون ويُضِلُّون بالتقوُّل على الله تعالى بغير علم، ولا خوف منه سبحانه، غير عابئين بالمسؤولية أمام الله تعالى، لرقَّة الديانة وعدم الخشية له جل في علاه، يقولون ذلك عبر المنصات والمواقع والصفحات التي يتخذونها لأنفسهم أو تتخذ لهم، ليضلوا الناس بأفواههم بغير علم، طلباً للشهرة أو إرادة الفتنة التي يعتنقونها، ويريدون تصديرها لمن يسمع لهم ويشوشون بها على المسلمين، ويفتحون بذلك ثغرات للمغرضين للإساءة للإسلام وأهله، فهذه أهدافهم التي يتفيهقون بها بغير هُدىً ولا كتاب منير، وقد كانوا قبلُ محجوبين فلا يسمع منهم إلا القليل لعدم وجود منصات تبث أفكارهم الخاطئة، وسمومهم القاتلة، أما اليوم فقد وجدت هذه المنصات الإعلامية التي تمخر الآفاق، وتتوسع في الطباق فانتشروا انتشار النار في الهشيم، وحصل بها الضلال الكبير، ويفتتن بها من لم تكن له حصانة علمية، أو كان حسن الظن لمن تزيَّا بزي العلماء فغدا يسمع كل قائل، وهذا ليس عذراً لأحد في أن يسمع لمن لا يعرف، بل الواجب على الإنسان أن يكون حصيفاً ويجعل من فهمه مصفاة يميّز بها الحق من الباطل، والصحيح من البهرج، كما ورد في الأثر: «إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم» وربنا سبحانه أوجب على من لم يكن يعلم ألّا يسأل إلا أهل العلم المؤهلين المتخصصين كما قال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي أهل التخصص وأهل العلم المشهود لهم به، لا كل من يدعيه، فإن الأدعياء كُثُر، وإذا كان الوضع الراهن لا يقدر على حجب ذلكم التفيهق فبمقدور كل إنسان أن يحمي نفسه منه، بعدم سماع أولئك المدعين، وهجرهم كما كان السلف يقولون: «أميتوا البدعة بتركها» فهي مسؤولية ذاتية في المقام الأول على متابعي المنصات ومن يُعنى ببثها ونشرها، فإن مثل ذلك التناقل يُعدّ من أسباب نشر ذلكم الزيف الذي يتفيهق به أصحابه، وكما قالوا: «فما آفات الأخبار إلا رواتها».

ألا فليحذر السامعون، وليحذر المتداولون من أن يفتنوا أو ينقلوا ما يفتن الناس عن دينهم وأخلاقهم.

* كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

الأكثر مشاركة