الإجازة الصيفية

من محاسن سياسة التعليم، هذه الإجازة الصيفية التي تأتي في وقت شدة الحر، لتكون فرصة لراحة النفس والبدن، فيأخذان حقهما من الاستجمام والراحة، لأن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد (كما ورد). غير أن هذه الإجازة هي جزء من حياة الإنسان وعمره، وعمرُه هو رأس ماله الحقيقي، والعاقل لا يُفرّط في رأس ماله، بل يحافظ عليه أشد المحافظة، فلا يضيع وقته فيها بالفراغ والبطالة من غير أن يستغل وقته في ما يعود عليه نفعه في دينه ودنياه، فإن الإجازة هذه هي إجازة عن الذهاب للمدارس وعناء المذاكرة وحل الواجبات، لا عن واجبات الوقت الأخرى من شغله بما ينفع من الأعمال النافعة، واستغلال هذه الإجازة بتعويض ما فرّط فيه الطالب أو المدرّس أو الموظف في حقل التعليم، بسبب تزاحم الوجبات، وعدم الفراغ للأعمال الصالحة، فالإجازة إذاً هي فرصة العمر لتدارك ما قد يكون المرء قصّـر فيه. وأكثر ما يكون التقصير فيه أيام الدراسة هو التشاغل عن القرآن الكريم، فإذا جاءت الإجازة الصيفية فينبغي أن يُعوّض المرء ما قصّـر فيه بتلاوته وحفظه، وفهم دلالاته.

وها هي المراكز الصيفية والحلقات في المساجد تفتح أبوابها للطلاب والطالبات وكبار السن، للراغبين في نفع أنفسهم، بما يُقرّبهم من ربهم، وما يصلح حالهم ومآلهم، وهو القرآن الكريم الذي (يهدي للتي هي أقوم) في الدين والدنيا، وما يصلح الفرد والمجتمع. ومن أعرض عن كتاب ربه سبحانه وتعالى، فإنه سيكون من الخاسرين والمغبونين، لاسيما إذا رأى من ملؤا صفحات عمرهم بتلاوته، فرآهم يترقون في الدرجات بقدر ما كانت لهم من تلاوات وتدبرات. وقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». وإنما يكون التغابن حينما لا يكون هناك مجال لتدارك ما فات، والمؤمن العاقل لا يوصل نفسه إلى مثل ذلك وهو قادر على ألا يُغبن.

والأكثر غبناً هو من يستغل فراغه في المعصية أو التقصير في الواجبات الشرعية، وذلك حينما تُعرض عليه صفحات عمره لا تخفى منها خافية، ولا ريب أن من لا يشغل فراغه بالطاعة، فإنه سيشغله بغيرها كما قيل: «النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل»، لأنها أمارة بالسوء، وتزين الفحشاء، وتستثقل الطاعة والعبادة، ولا يتغلب المرء عليها إلا بالمجاهدة، كما قال البوصيري:

وجاهد النفسَ والشيطان واعصِهما

وإن هما محّضاك النصحَ فاتهمِ

نسأل الله الرشاد والسداد.

*كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

 

الأكثر مشاركة