عصر الأفكار والمواهب

الرئيس التنفيذي لأكاديمية الإعلام الجديد

عالية الحمادي

من المعروف تاريخياً، أنه كلما ظهرت صناعة جديدة، ظهر معها طيف واسع من الصناعات المساندة والداعمة التي تزودها بالمواد والخدمات، وأشكال جديدة من المهارات والمواهب وأنماط تفكير لم تكن معروفة من قبل، وانفتحت آفاق جديدة على مسارات التعليم والتدريب والمهارات والتنمية بشكل عام، وهذا يعني أن دراسة وتحليل الظواهر الاقتصادية يجب ألا تقتصر على الصناعات الناشئة، بل يجب أن تتناول المشهد الكامل الذي تشكله على صعد ومستويات مختلفة، تطال الاقتصاد والمجتمع والتعليم والثقافة.

نحن اليوم أمام بزوغ صناعة لها سمات خاصة، وهي صناعة المحتوى الرقمي، وتتمثل خصوصيتها في أنها لا تستند إلى الموارد بقدر ما تستند إلى المواهب والأفكار والثقافة والمهارات الشخصية التي يمكن أن تكتسب ذاتياً أيضاً، ما يعني أنها نتاج تحوّل في توظيف واستثمار الثروة البشرية، وهو الأمر الذي تجتهد الأمم من أجل تحقيقه والوصول إليه من أجل تنويع مصادر دخلها وقوتها الاقتصادية بغض النظر عما تمتلكه من موارد مادية.

على مدار الـ15 عاماً الماضية فقط، صعدت صناعة المحتوى إلى مستويات عالية جداً، واحتلت مكانة مركزية في الاقتصاد الإبداعي، حتى أصبحت تقدر قيمتها بأكثر من 250 مليار دولار، يسهم في صناعتها عالمياً وبشكل أساسي أكثر من 300 مليون شخص من المبدعين والمحترفين. فإلى جانب الشخص المركزي فيها، هناك كتاب نصوص وخبراء في تقنيات التواصل والدعاية والترويج والعلاقات العامة ومديرو الأعمال، ومخرجون وفنيون، وفي إطار أشمل، تتسع خارطة صناعة المحتوى لتصل إلى تصميم المواقع والمنصات الإلكترونية، وابتكار تكنولوجيا تتناسب مع متطلبات الصناعة، إضافة إلى البحث والتوثيق وتحليل البيانات وغيرها الكثير من الأعمال ذات العلاقة.

من جانب آخر، تدخل صناعة المحتوى وبشكل كبير في قلب الأعمال التقليدية، مثل الشركات بمختلف تخصصاتها التي تحتاج للوصول إلى الجمهور بطريقة مبتكرة، والأمر ذاته ينطبق على الحكومات، والتي أعتقد أنها بحاجة أكثر من غيرها إلى إشراك صناع المحتوى في مخاطبة الجمهور والتطوير من الأساليب التقليدية التي بدأ الزمن بتجاوزها.

إذاً نحن أمام مشهد اقتصادي إبداعي متكامل يتشكّل، ولأن هذا المشهد ترسمه التكنولوجيا سريعة التطور في هذا العصر، فلا غرابة أن نشهد تحولات نوعية كبيرة تغير حتى ما نعرفه وما نتكلم عنه الآن، عصر الذكاء الاصطناعي وضعنا أمام احتمالات مفتوحة على مصراعيها.

وإذا كان 300 مليون يسهمون بهذا القدر في الاقتصاد العالمي اليوم، فهل يمكن أن نتخيل كيف سيكون ناتج هذه الصناعة في الناتج الإجمالي العالمي خلال السنوات القليلة المقبلة؟ الحقيقة أن هناك ثابتاً لن يتغير مهما تغيرت المعطيات، وهو القوى البشرية، أي إن خارطة الاقتصاد الإبداعي تتشكّل من المبدعين أنفسهم في المجالات كافة التي ذكرناها، المبدعين في ابتكار التقنيات، والمبدعين في فهم الجمهور، والمبدعين في المحتوى وإيصال الصورة، ومن هنا يتضح أننا وقد نكون للمرة الأولى أمام اقتصاد قائم على الروح البشرية المبدعة ومهاراتها الذاتية والقليل القليل من الإمكانات المادية، الأمر الذي قد يغيّر مفاهيمنا الاقتصادية إلى الأبد.

الرئيس التنفيذي لأكاديمية الإعلام الجديد

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

تويتر