بين الحديث والتأثير.. عمل كثير

الرئيس التنفيذي لأكاديمية الإعلام الجديد

عالية الحمادي

«تكلم حتى أراك».. هكذا حدد الفيلسوف الكبير سقراط، أهمية التواصل بكلمات قليلة ومكثفة، وهو في هذه المقولة يؤكد أن الكلمات أكثر من مجرد وسيلة لنقل معلومة، بل تعبر عن هوية صاحبها وقيمه ورسالته في الحياة، ولها دور عظيم في تشكيل العالم.

وعلى الرغم من أن أهمية الكلمة كانت معروفة لكل الشعوب والحضارات، فإنها تزداد اليوم بشكل كبير، بل تصبح قضية حيوية ومحورية مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. فهناك ملايين الأشخاص يحملون يومياً هواتفهم الذكية، ويتنقلون من منصة إلى أخرى، ومن حساب إلى آخر ليستمعوا لما يقال لهم، متعطشين للوصول إلى كلمة أو رسالة تساعدهم في حياتهم، وترشدهم إلى الطريق الأفضل للتعامل مع أمورهم، لكن في مقابل نحو خمسة مليارات مستمع (وهو عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي حول العالم) هل هناك متحدثون مؤثرون حقاً؟

للوصول إلى إجابة هذا السؤال، علينا الخوض في مستويات عدة، يتوجب على صانع المحتوى أو المؤثر أن يعبرها ليصل إلى عقول الناس وقلوبهم ووجدانهم. المستوى الأول هو إتقان اختيار المنصات، واستخدام أدوات التواصل واللغة المناسبة، وهذه المرحلة تمكّن صانع المحتوى من الوصول إلى الجمهور، لكنها لا تكفي للاحتفاظ بهذا الجمهور وجذب اهتمامه اليومي.

المستوى الثاني يتمثل في اختيار هوية المحتوى، أي موضوع محدد يشكل جوهر الرسالة وتقديمها بطريقة الحكاية، لأن الجمهور بحاجة إلى سماع الأحداث في سياقها الكامل، أي الذي له بداية وأحداث وخاتمة، بطريقة سلسلة تأخذ المتابعين مباشرة نحو الغاية من المحتوى دون تعقيد.

وهذا ما نراه منتشراً بكثرة على وسائل التواصل. الكثير من المختصين يتواصلون مع متابعيهم بحرفية سردية عالية، وهؤلاء يستطيعون الوصول إلى جمهور واسع، لكنهم لن يتمكنوا من الاحتفاظ سوى بتلك الشريحة التي تتوافق معهم حول تخصصهم، ولأنهم في هذه الحالة يضعون أنفسهم في تنافس مع صنّاع محتوى آخرين، سيكونون أيضاً عرضة لخسارة هذه الشريحة لصالح منافسيهم.

أما المستوى الثالث، فهو إتقان كل ما سبق، لكن تضاف إليه قضية جوهرية، وهي أن يكون صانع المحتوى صاحب رسالة يعي ما عليه من واجبات تجاه قضايا مجتمعه، يبحث ويحلل، يتصدى للظواهر السلبية ويحاول معالجتها بصورة حوارية محببة لا تنفّر الناس منه، ويسهم في كل ما يدعم مسيرة وطنه نحو التقدم والتنمية وتحقيق مزيد من التماسك الاجتماعي، يرسخ محبة الهوية والثقافة وكل مظاهر الاعتزاز بين أبناء بلده، وينقلها للعالم في إطار من التفاهم واحترام الاختلافات؛ واعتبار هذا الاختلاف إحدى السمات الأساسية لجمال المشهد الإنساني، في هذا المستوى يصل صانع المحتوى إلى عقول الأشخاص وقلوبهم.

ولأن الوصول بصناعة المحتوى إلى ما بعد المستويات الثلاثة التي ذكرناها، لا يمكن أن يتم بقرار، تستضيف الإمارات النسخة الثانية من «قمة المليار متابع»، تحت شعار «لنتواصل» لتجمع الآلاف من أفضل صنّاع المحتوى حول العالم مع الخبراء في حوار مفتوح حول الإبداع، وأهمية التواصل المؤثر، والمحتوى النوعي في إيصال رسائل نبيلة.

قد يقول البعض إن الناس تمل ممن يتناول هذه القضايا ويذكّرنا بها دوماً، لكن الحقيقة غير ذلك، لأن الجمهور يبحث عمن يحمل حلماً يشبه حلمه، ويتناول تحديات هي تحدياته ذاتها، ويبشر بأن الطموحات المشتركة ستتحقق، ويسعى بصدق إلى توجيه الناس لسبل الوصول إليها. هكذا يصبح للمليار مستمع، متحدثون موثقون، نماذج للنهوض بالذات نحو مزيد من العمل.

الرئيس التنفيذي لأكاديمية الإعلام الجديد

تويتر