خادمة وسائق وسيارة!
تتسم دعاوى الأحوال الشخصية بالحساسية والتعقيد، ليس على الصعيد القانوني، لكن لاعتبارات أخلاقية واجتماعية، إذ تتبدل المشاعر - أحياناً - بدرجة حادة، ويتحول الودّ إلى خصومة.
وحين يستبد الخلاف وينقطع طريق الرجعة والصلح، يبدأ مشوار التقاضي، الذي يتخلله تعنت في المعاملة، ومبالغة في المطالب، ومن النادر أن يتفق الطرفان على تسوية عادلة منصفة، تضمن لهما علاقة سوية صحية بعد الانفصال، وشراكة في تربية الأبناء وتغليب مصالحهم.
ومن الضروري الوعي ببعض الجوانب المهمة، في ما يتعلق بهذه المطالبات، لأن بعض النساء يطلبن أموراً لم تكن تتوافر لديهن أثناء الزواج، مثل خادمة، وسائق وسيارة مع مشتملاتها من صيانة ووقود وتجديد ملكية ورسوم «سالك»، وغيرها.
ولدينا قضيتان، طالبت الزوجة في كل منهما بالطلاق، وإلزام الزوج بسداد رسوم استقدام خادمة بقيمة 20 ألف درهم، ودفع راتبها الشهري 2000 درهم، وإلزامه بتوفير سيارة حديثة الصنع أو دفع قيمتها، مع تقييده بقيمة الوقود شهرياً، والصيانة وغيرها.
وفي الدعوى الأولى، وافقت محكمة الأحوال الشخصية في درجاتها المختلفة على طلبات الزوجة، فيما رفضتها في الثانية.
والسبب في الحكمين واحد، رغم تعارضهما، وهو «يسار حالة الزوج»، ففي الدعوى الأولى، ثبت أن الزوج يتقاضى نحو 89 ألف درهم.
أمّا في الدعوى الثانية، فأوضحت المحكمة أنه من المقرر، وفق مذهب المالكية، التزام الأب بنفقة خادم لأبنائه أثناء فترة الحضانة بشرطين: إن احتاج الابن إلى خادم، وكان الأب مليئاً، أي ميسوراً مادياً، لكن أوراق الدعوى خلت مما يثبت أن الأب ميسور الحال، أو تسمح حالته المادية بتوفير خادم.
كما أن الزوجة نفسها لم تقدم ما يدل على أنه كان لديها خادم في بيت أهلها.
وأوضحت المحكمة في الدعوى الثانية أن التزام الأب بتوفير سائق وسيارة لأبنائه من ضمن مفردات النفقة التي يجب أن يلتزم بها، حسبما جرى به قضاء التمييز، لكن هذا يتوقف أيضاً على شرط، وهو تمتعه بحالة مادية ميسورة تسمح له بشراء السيارة وتوفير السائق.
ومن هنا تأتي أهمية الإلمام بدليل الإجراءات التنظيمية في دعاوى الأحوال الشخصية بمحاكم دبي، إذ لا يمثل وسيلة مساعدة للقاضي في تحديد مقدار النفقة، وحسم طلبات كل طرف فقط، لكنه يوفر مساحة للتوافق بين الزوجين، لأنه يتضمن تفاصيل إرشادية بما يمكن أن تحصل عليه الزوجة في نهاية مشوار التقاضي حسب دخل الزوج، ومن ثم يمكن للطرفين أن يتوافقا بشأنها، ويتصرف كل منهما بمرونة حيال الآخر.
الطلاق رغم كراهته، قد يكون حلاً حين تستحيل العشرة بين الزوجين، بشرط أن يتحليا بالرقي والإنسانية، ويعامل كل منهما الآخر باعتباره شريكاً في مشروع أهم، هو الأبناء.
وكم من أزواج ظلوا أصدقاء بعد انفصالهم، لأنهم أدركوا جوهر هذه الشراكة، وأسهموا معاً في تربية أبناء أسوياء ناجحين في حياتهم المهنية والأسرية، لأن الطلاق لا يمكن أن يكون أبداً نهاية المطاف.
*محكم ومستشار قانوني