كيف نُدخل فيلاَ في علبة كبريت!

شاركتُ منذ أيام - أثناء فعاليات معرض أبوظبي للكتاب - في جلسة حوارية بعنوان «الكبسولة الأدبية»، وهي مبادرة أدبية أطلقتها رئيسة ومؤسسة صالون الملتقى أسماء صدّيق المطوّع لأول مرة في 2016، وتقوم على اختيار المشارك كتاباً مهمّاً أثّر فيه، والحديث عنه في فترة لا تزيد على خمس دقائق فعليّة، فأمام المشارك وُضعت ساعة رملية تحصي عليه أنفاسه، وتعلّمه أن يزن كلماته بميزان الذهب.

ومشاركتي في المبادرة دفعتني إلى تأمّل فكرتَي الاختيار والتلخيص. وكنت قد اخترت رواية «صباح الخير أيها الحزن» للكاتبة الفرنسية فرانسواز ساغان وقد تأثرت بها يوم قرأتها أول مرة، ولكني مازلت إلى الآن أراجع اختياري فأتساءل لماذا لم أختر مثلاً رواية «زوربا» وهي التي لاتزال تدهشني حتى لا أقول تلهمني؟ أو كتاباً آخر ترك في نفسي ندوباً لا تمحى أو فرحاً يتجدد كلما تذكرته؟

الاختيار ذاتيٌّ ابن اللحظة، فلو سُئِلتُ الآن لاخترت كتاباً آخر وغداً غيره. وما كان يعجبني سابقاً لمعيار ذاتي تغيرت نظرتي إليه بعد أن طوّرتُ أدواتي النقدية، سواء بالدراسة الأكاديمية أو بالمشاركة في لجان التحكيم التي تتطلب منا تفكيك النص لأجل حكم أقرب إلى الموضوعية.

وأمر الاختيار هيّن أمام التلخيص، فهل يمكننا فعلاً اختصار الربيع في زجاجة عطر! قد يكون التلخيص مفيداً في الكتب العلمية والفكرية، أما في الكتب الإبداعية فأراه يسيء للنص الأصلي أكثر مما يحسن. الرواية مثلاً ليست أحداثاً فقط بل جمالها يكمن في التفاصيل التي يصنعها الأسلوب أوّلاً وجمالية السرد. لذلك نادراً ما يفلح الاقتباس السينمائي في أن يكون أميناً للنص، إذ هو كتابة بصرية جديدة تشترك مع النص الأصلي في العنوان وبعض التفاصيل، ونادراً ما رأينا روائياً رضي تمام الرضا عن نقل روايته إلى الشاشة. فرواية مثل البؤساء بأجزائها الخمسة كم من جمال يفوتنا ومتعة تتفلّت منا ونحن نحصرها في قصة رجل سرق رغيفاً فدفع ثمن ذلك كل حياته. أين باريس بأزقتها وروائحها وثورتها بنقائها وتجاوزاتها؟ وهذا ليس تفصيلاً يُستغنى عنه بل من صميم العمل الفني. لذلك أجدني أنظر بحذر شديد إلى تطبيقات ومنصات ملخصات الكتب، قد تكون مفيدة للدلالة على الكتب الجيدة التي يمكن أن تفوتنا في زحمة ما ينشر، ولكنها لا تغني بأية حال عن قراءة الكتاب نفسه.

وبلا رتوش أقول إن الفكرة المجردة التي يحويها الملخص عادة لا تغريني بقدر ما يغريني الثوب الذي يُلبسه لها المؤلف. حتى لا نكون مثل الذي طلبوا منه أن يحكي لهم قصة النبي يوسف، فقال ملخصاً لهم الحكاية: «ضاع ووجدوه»!

أمر الاختيار هيّن أمام التلخيص، فهل يمكننا فعلاً اختصار الربيع في زجاجة عطر! قد يكون التلخيص مفيداً في الكتب العلمية، أما في الإبداعية فأراه يسيء للنص الأصلي أكثر مما يحسن.

@DrParweenHabib1

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.  

الأكثر مشاركة