في معادلة التشاؤم والتفاؤل.. يبقى الاستعداد السلاح الأقوى

خلف أحمد الحبتور

أسئلة كثيرة تطرح نفسها أمام تطور الأحداث الدولية التي تنذر بمزيد من الخطر، وتدهور الأوضاع العسكرية، والأمنية، والاقتصادية، والمعيشية. فهل نحن مدركون لهذه المخاطر؟ وما مدى استعدادنا للتعامل معها؟

فلنعد بالأحداث إلى الأزمة الاقتصادية العالمية في سبتمبر 2008، واعتبرت الأسوأ من نوعها، منذ زمن الكساد الكبير في عام 1929. فقد عصفت بالاقتصاد العالمي، مبتدئة بالولايات المتحدة الأميركية، وامتدت إلى دول العالم، حيث هزّت أضخم المؤسسات المالية العالمية، ووصل عدد البنوك التي انهارت في أميركا وحدها خلال عام 2008 إلى 19 بنكاً، مشكّلة ذعراً خلّف شعوراً، شبهته حينها بـ«يوم القيامة».

ثم تلتها، منذ ثلاث سنوات، كارثة عالمية جديدة، عبر انتشار وباء «كورونا»، حيث انعدمت الحياة الطبيعية، وأغلقت المطارات، وأقفلت المدارس والمؤسسات، وانتشر المرض، وزاد عدد الوفيات، واستشرت البطالة، لتقدر حينها الخسائر المالية العالمية بـ14 تريليون دولار، ناهيك عن الخسائر بعيدة المدى، نتيجة إفلاس شركات عدة.

ولم يتوقف النزيف الاقتصادي والتدهور المعيشي عند جائحة «كورونا»، فما كاد العالم يتنفس الصعداء، حتى بدأت حرب جديدة، تشير بواقعها إلى حرب عالمية مبطنة، بدأت بين روسيا وأوكرانيا، وها هي اليوم تقترب من السنة الأولى على اندلاعها. إن تداعيات هذه الحرب لم تتوقف على الخسائر البشرية والعسكرية للبلدين المعنيين بها مباشرة فقط، بل تجاوزت ذلك لتشكل حرباً اقتصادية، تأثر بها الغرب وبقية دول العالم.

لا أحد يعرف متى ستنتهي هذه الحرب، ووزرها يضعف الاقتصاد الأوروبي والعالمي، لدرجة قد تودي به إلى الانهيار والدمار التام، في حال استمرت أو توسعت أكثر. إن الوضع المعيشي المتردّي الذي وصلت إليه شعوب بعض أكبر دول العالم، كبريطانيا مثلاً، نتيجة هذه الحرب، مثير للرهبة، ولن يتوقف عند الحد الذي وصل إليه من غلاء، وفقر، وبطالة، وإفلاس. بل أن ما يهددنا أكثر، هو خروجه عن المألوف، نتيجة الصراع الأميركي والغربي ضد روسيا على الأرض الأوكرانية.

فإذا تابعنا بتجرد تسلسل الأحداث العالمية أخيراً، نجد أن حرب عالمية كبرى تقرع طبولها، فالمعسكرات والانقسامات الدولية عادت لتبرز مجدداً بين قوى تتبع الولايات المتحدة الأميركية بسياستها، وبين منظومة دولية تدعم روسيا، مثل الصين وكوريا الشمالية.

استعراضات عسكرية مسلحة، ومنها نووية، وعمليات التجسس الفضائية، وتجارب لأحدث الصواريخ الباليستية وفوق الصوتية، وبروز دور المسيّرات التجسسية والحربية، وتهديدات متبادلة بين القوى المتصارعة، كل هذه الأمور تستدعي من الدول إعادة النظر في كيفية التعامل والاستعداد على مستوى الأمن الاقتصادي والغذائي والمعيشي، من أجل الصمود والتكيف أمام أي تداعيات قد تنتج عن هذه المخاطر المحتملة.

في ظلّ كل هذه المعطيات، يجب أن يشكّل تحصين اقتصادنا ومجتمعنا ومؤسساتنا الأولوية القصوى، وذلك عبر اعتماد أسلوب العمل ضمن معادلة الأهم والمهم.

أشدد على ذلك، ليس من باب التشاؤم، بل من منطلق التفاؤل والحرص على حماية أنفسنا. في مثل هذه الأجواء العالمية المشحونة والخطرة، لابد من وضع جدول نسبي لتحديد المهم، والتركيز على الأهم. في الماضي القريب، أخذتنا أزمة «كورونا» على غفلة، فهل نقف مكتوفي الأيدي، نترقب الانهيار التام، بسبب تطور دراماتيكي سريع وفجائي في العالم، يتسبب في (توقيف) العجلة الاقتصادية؟ الاقتصاد هو عماد الحياة، والعمل المؤسساتي هو الركيزة الأساسية للاقتصاد، لذا لابد أن نحمي اقتصادنا عبر حماية مؤسساتنا الحكومية والخاصة من الانهيار، في ظل الخطر الذي يعيشه عالمنا اليوم.

العجلة الاقتصادية يجب أن تستمر، ولكن بروية وإعادة جدولة لكيفية تنظيم عمل المؤسسات، لأن النظرة التفاؤلية هي التي تحمي الأعمال والمجتمع وتنير الحياة، ولأن استمرار العمل المؤسساتي، في أي ظروف كانت، هو مسؤولية تقع على عاتق مشغليها والمسؤولين عنها، ومن أجل حماية الدول والمؤسسات من الانهيار، في ظل الأوضاع والظروف العالمية الصعبة، لابد من وضع أولويات تحمي الجميع، وتحصين ديمومة العمل. يبدأ ذلك، بتجميد العمل بأية مشروعات مكلفة، يمكن الاستغناء عنها في هذه المرحلة، والحد من المصروفات الخارجية، والتركيز على استمرار العمل بالمشروعات الحيوية عدا عن سواها، وهذا ضمن مبدأ الحفاظ على السيولة النقدية cash flow، والحد من المصروفات بأكبر قدر ممكن لحماية المؤسسات الخاصة والحكومية والاستثمارات من أي هزة اقتصادية قد تأتي في لحظة غير محسوبة، أو خطأ ما يشعل فتيل حرب عالمية نووية مدمرة، كما نخشى اليوم.

باختصار، معادلة التشاؤم والتفاؤل تفرض نفسها في هذه المرحلة. والتفاؤل اليوم هو العمل والسعي لوضع خريطة طريق تحصّن العمل المؤسساتي، وتحمي وتحافظ على القائمين عليه والمستفيدين منه، وتؤمّن سبل الاستمرارية تحت أي ظروف ضاغطة. فإن تأزم الوضع العالمي، وتوسعت رقعة الحرب، وزاد وطيسها، فسيكون للسيولة النقدية المتاحة الدور الأول في تحصين الذات والصمود والاستمرارية.

وإذا قُدّرت خسائر جائحة «كورونا» على المستوى العالمي بـ14 تريليون دولار (دفع القطاع السياحي ما يقدر بثلثها)، فإن خسائر الحرب الروسية الأوكرانية وسباق التسلح سيتخطيانها بكثير. ألم نتعظ من التداعيات الكارثية الأخيرة للزلزال الذي ضرب تركيا وسورية، وسقط بسببه آلاف الضحايا وخسائره المادية لا تعد ولا تُحصي؟

من الضروري التنبه وإدراك ما يحدث حولنا، والتفاؤل هو بالاستعداد للمخاطر المحيطة، واتخاذ الخطوات كي لا نقع في المحظور. ستأتي الساعة التي تكون فيها لغة النقد والسيولة النقدية الحكم الفصل والمقياس للاستمرارية، فلنحصّن أنفسنا على هذا الأساس.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

تويتر