عقول منزوعة الدسم

يبقى العقل البشري محور الكثير من التطورات التي نشهدها والتي شهدناها والتي سنشهدها، ويبقى هو المحرك للكثير من العلوم والمهارات، فإذا نزعنا منه دسمه أو فكره أصبح خاوياً فارغاً لا يُنتج أي شيء، وتصبح مهمته إصدار الضجيج لنفسه ولمن حوله.

رغم التطور الكبير الذي نعيشه في هذا الزمان ورغم النجاحات الكبيرة للاستثمار في العقول البشرية، إلا إنه وللأسف هناك عقول منزوعة الدسم نجدها في كل مكان؛ عقول هشة سطحية في تناولها للأمور التي حولها، فكم هي التصرفات التي نلاحظها من أناس ونستغربها ونتساءل أين عقولهم من هذا كله؟، وكم هي اللحظات التي يغيب فيها الأشخاص عن وعيهم وتصبح تصرفاتهم رهينة ومقرونة بنزواتهم أو لذاتهم أو حتى رغباتهم دون إدراك لحجم الكوارث والمصائب أو المشاكل التي من الممكن أن يضعوا أنفسهم بها.

للأسف رغم أن المعلومات والثقافة والعلم والعلوم على بعد خطوة منا، إلا أن الغالبية العظمى لا تملك منها إلا القشور، وإن فتشت ستجد بأن هناك من يحسبون أنفسهم على فئة المثقفين، ولكن في حقيقة الأمر عقولهم منزوعة الدسم أو حتى قد تكون خالية من الدسم، فهم إما سطحيون في معلوماتهم أو متعصبون لأفكارهم أو منحازون لأجنداتهم وسياساتهم، وعلى جانبٍ آخر تماماً، هناك من يتابع ويقرأ كل ما يُكتب ويُنشر ولكن دون أن يتضمن محتوى عقله أي فكرٍ خاص أو تحليل ناقد، وإذا حاول أن يفكر فسرعان ما يعود عقله خاليأً، خاوياً، ومنزوع الدسم مرة أخرى.

في الحقيقة الغالبية العظمى في مجتمعاتنا تستعين بوسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الأخبار القصيرة لتأخذ منها فكرها حتى أصبح لدينا كم هائل من المعلومات التي تمر على ذاكرتنا لكن دون أن تجد مكاناً أو متكأ لها، فتجد العقول مشوشة بما تملكه من معلومات ولا تستطيع استنتاج أو استنباط أو ابتكار شيء جديد، فقد اعتادت على اللمحات السريعة وعلى مانشيتات الأخبار والبوستات والفيديوهات والمنشورات التي كلما كانت قصيرة ومباشرة كلما وجدت رواجاً، فقد اعتادت العقول على هذه السرعة حتى فقدت دسامة فكرها وقدرتها على التفكير فيما تقرأ وتسمع وتشاهد.

العقول منزوعة الدسم خطر كبير على المجتمعات، فهي سهلة التأثر بما يُعرض أمامها، ولهذا وجدنا شباباً انحرفوا نحو الإرهاب والجماعات الإرهابية، لأن عقولهم خاوية، وتم استغلال هذا الأمر فيهم، ووجدنا شباباً ينحرفون نحو الشذوذ والإجرام أيضاً لأن عقولهم خاوية، ووجدنا أسراً تُهدَم بسبب عقول منزوعة الدسم لم تحسن التفكير في كيفية إدارة هذا المكوّن، ووجدنا مجتمعاً مثقفاً يتحطم أمام أول امتحان ثقافي وفكري يواجهه، ويجلس واضعاً كفه تحت خده لا يستطيع التأثير في مجتمعه، ووجدنا البعض ممن هم أقل خبرةً وعلماً وثقافةً يتصدرون المشهد ووضعوا في خانة المؤثرين.

العقول يجب أن تكون كاملة الدسم؛ تفكر وتحلل وتستنبط وتنتقد وتعيد صياغة الأمور بطريقتها الخاصة، لا أن تكون تابعة لأصحاب أجندات وسياسات وأفكار باطلة، فليس كل فكر أو أسلوب للحياة تكون مجتمعاتنا عرضة للتأثر به والمضي على سياقه ونهجه، بل يجب أن يكون لعقولنا القدرة على التمييز بين الأمور والقدرة على التغلغل الفكري الذي يسمح لها باختيار الفكر الذي يتجانس معها ومع مبادئنا بدلاً من أن ننقاد مع كل موجة نحو أفعال وتصرفات خاطئة.

محامٍ وكاتب إعلامي

twitter.com/dryalsharif

www.ysalc.ae

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

الأكثر مشاركة