مساحة حرة

الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي «1»

فيصل محمد الشمري

تتضاعف اعتمادية الأفراد والشركات والمجتمعات وحتى الدول، على التقنيات المتقدمة (الثورية منها أو الناشئة، أو التقنيات المستدامة التطوير)، نتيجة تبني ممارسات مجتمعات المعرفة، إذ تضاعفت الاستثمارات التي يتم ضخها، ما أدى إلى تطور غير مسبوق في القدرات الحاسوبية، وسعات التخزين وذكاء الاعمال، وهيكلية وإدارة البيانات، نتيجة توجه حكومي رسخ تنافسية المجتمع، ويعرِّف مسؤوليات المواطنة الرقمية.

ولم تكن تبعات جائحة «كوفيدـ19» مقتصرة على تحديات إنسانية واقتصادية غير مسبوقة فحسب، بل أسهمت في دفع عجلات التطور، وتبني التقنيات الحديثة في ممارسات المجتمع كافة، من العمل والتعليم عن بعد، إلى استخدام هائل لتقنيات الترفيه الرقمي وغيره.

وكعادة المختصين، فقد ناقشوا مخاوف ومخاطر التقنيات من إدمان رقمي ومحتوى إجرامي أو لا أخلاقي، واستغلال متزايد للجريمة المنظمة والمنظمات الجاسوسية، وأنماط السلوك الإنساني المتغير، بل وزاد التحذير من مخاطر، بعضها ظاهر ومعظمها مبهم، وعلى رأسها «الخصوصية».

وتعني الخصوصية: «قدرة الشخص على منع المعلومات المتعلقة به من أن تصبح معروفة للآخرين، إن لم يختر طوعاً أن يقدم تلك المعلومات، والمصطلح هو مفهوم يشير إلى نطاق الحياة الخاصة، وتطور بشكل متسارع أخيراً على نطاق أوسع، ليضمن الحق في السيطرة على البيانات الشخصية». وقد تشمل الخصوصية «أمن وسرية المعلومات».

‏لقد وصلت مستويات النضج المؤسسية لدينا في الدولة، إلى أن نصبح من أوائل الداعمين لتطوير المنظومة المؤسسية، وتشجيع الممارسات الإيجابية ذات الصلة، ومنها ما طبقته «جائزة دبي للأداء الحكومي المتميز» في فئة «النخبة» أثناء عملية مشاركتنا في تقييم الجهات الأربع المتميزة محلياً، (وفي تقديري وتقدير بقية زملائي المقيمين المتميزة عالمياً)، بمعيار الذكاء الاصطناعي ‏لدورة العام الجاري، التي أعلنت نتائجها أخيراً، إذ تم تضمين عمليات قياس نضج استغلال تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ‏ومدى تطور المؤسسات وحوكمتها، وتقنينها للاستخدامات الإيجابية لهذه القدرات والخصائص والتطبيقات، لنكون الدولة الأولى إقليمياً، كمتطلب لتعزيز الريادة المؤسسية وفق أفضل الممارسات العالمية، مقرونة بالتميز التشريعي الإقليمي.

فحماية الخصوصية جزء من المنظومة التشريعية في الدولة ودستورها، مثل القانون الاتحادي رقم 45 لسنة 2021 بشأن حماية البيانات الشخصية، والقانون الاتحادي رقم 44 بشأن إنشاء مكتب الإمارات للبيانات. وكذلك القانون الاتحادي رقم 15 لسنة 2020 بشأن حماية المستهلك، بما في ذلك خصوصية وأمن بيانات المستهلك، ويمنع استخدامها لأغراض الترويج والتسويق (ومن أوجه الإساءة والتجاوز بيع بعض الشركات العملاقة لبيانات وأرقام المتعاملين لشركة الإعلانات الهاتفي، التي أصبحت مصدر إزعاج لا يطاق، ولولا تدخل هيئة تنظيم الاتصالات لما توقفت، وتم ذلك دون مخالفات تأديبية معلنة للشركات التي تاجرت ببيانات المتعاملين).

لقد نص القانون الاتحادي رقم 12 لسنة 2016، بتعديل المرسوم بقانون اتحادي رقم 5 لسنة 2012 في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والمعدل على القانون الاتحادي رقم 2 لسنة 2006 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وحظر في المادة 21 من القانون كل من استخدم شبكة معلوماتية، أو نظاماً معلوماتياً إلكترونياً، أو إحدى وسائل تقنية المعلومات، في الاعتداء على خصوصية شخص في غير الأحوال المصرح بها قانوناً، بإحدى الطرق التالية: كالتقاط صور الغير، أو إعداد صور إلكترونية أو نقلها أو كشفها أو نسخها أو الاحتفاظ بها.

وعليه، فلا يجوز انتهاك الخصوصية، بينما وعلى النقيض، نجد بعض الشركات خارج الدولة تعمل على تطوير تقنيات خاصة، تتيح عشوائياً للأفراد والشركات، بمجرد التقاط أو عرض صورة لشخص ما، تتبع مقر سكنه وبياناته من دون أي مسوغ قانوني أو وظيفي، وهذا لا يعد مخالفة شرعية ودينية فحسب، بل هو انتهاك صارخ للقوانين والضوابط والممارسات الخاصة بحماية الخصوصية، وتدفعنا لاقتراح التوعية بمخاطر استخدام العامة لهذه التطبيقات المستغلة للبيانات الذكية والضخمة، وتحليل البصمة الحيوية، وإتاحة تطبيقات التعرف إلى الوجه، وتشديد تجريم استخدام هذه التطبيقات من قبل العامة، وتطوير التقنيات وإتاحتها دون ضوابط أو تقنين، وحجب مواقع الشركات المتيحة لمثل هذه الخدمات، وإنذار الشركات في حال تأثر أي فرد بهذه التقنيات سلباً ودون مسوغ قانوني، ومساءلتهم جنائياً ومدنياً.

إن الاعتداء على خصوصية الأفراد، وحتى الشركات أو الدول، باستغلال مركب لقدرات وخصائص الذكاء الاصطناعي أمر واقع، ويحدث يومياً دون أن ندرك، وحماية الخصوصية تبدأ من السلوكيات الذاتية للأفراد، تليها الممارسات المؤسسية، ولنعمل معاً على حماية خصوصيتنا، فالأمر لا يرتكز على التقنيات فقط، بل يشمل الأفراد، والضوابط والتشريعات.

*مستشار إداري وتحوّل رقمي وخبير تميّز مؤسسي معتمد

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة