مساحة حرة

«في الاتحاد قوة»

فيصل محمد الشمري

‏في سياق احتفالات الوطن بعيد الاتحاد الخمسين، والاستعداد للـ50 المقبلة، نستذكر العبر من الهدي النبوي الشريف، ومرحلة ‏بدايات تأسيس الدولة الإسلامية، التي تؤكد أهمية توحيد الصفوف أمام المخاطر والتحديات، ‏فكان الاتحاد إرثاً إسلامياً ‏يعتز به المسلمون عبر التاريخ، و‏عنوان مقالة اليوم تعود لمثل عربي يروى عن حكيم العرب المعروف «أكثم بن الصيفي التميمي»، ‏لما أحس بدنو أجله وقرب موته، أمر أبناءه أن يأتي كل منهم بحزمة من العصي، طالباً من كل واحد منهم أن يكسرها إلى قطع صغيرة متفرقة، فعجز أقواهم أن يكسر الحزمة مجتمعة، ثم قام الأب بأخذ حزمة العصي وفرقها من بعضها، ثم قام بوضعها أمام أبنائه وطلب كسرها متفرقة فاستسهلوا الأمر وكسروها دون أي جهد يذكر، فقال جملته التي أضحت مثلاً: ‏أي بنيّ، «‏إن في الاتحاد قوة»، ثم ‏أنشد قائلاً:

‏كونوا جميعاً يا بنيّ ‏إذا اعترى .. خطب ولا تتفرقوا آحاداً .. ‏تأبى العصي إذا اجتمعن تكسراً .. وإذا افترقن تكسرت آحاداً.

إن نماذج القوة الناجمة من الوحدة لا تقتصر على الدول، ‏كالدولة الإسلامية عبر التاريخ، ‏واتحاد الجمهوريات السوفيتية، والولايات المتحدة الأميركية، أو في تاريخنا المعاصر الاتحاد الأوروبي، ودولة الإمارات العربية المتحدة، فهي نماذج أثبتت ورسخت مفهوم قوة الاتحاد ‏وإيجابياته، ‏والعصر الحديث أكد زوال الكيانات الصغرى ونشأة الكيانات العالمية الكبرى، فقانون البقاء يعتمد على قواعد من أهمها التكامل ‏والاتحاد، حسب دروس التاريخ وقواعد المنطق.

وفي نماذج الكيانات الاقتصادية في البنوك وغيرها نجد أن البنوك الصغيرة عند احتدام المنافسة أو عند أقل هزة مالية ‏تشهد الزوال أو ابتلاعها من قبل كيانات أكبر عبر الدمج أو الاستحواذ، ‏وهو ما رأيناه في حالات عديدة، ‏وما شهدته أسواقنا المحلية من إجبار الجهات المشرعة لبعض البنوك على الاندماج في كيان مشترك، لتلافي مخاطر مماثلة.

‏إن ‏اعتماد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أثناء ترؤسه اجتماع مجلس إدارة «أدنوك» في الجناح الوطني لدولة الإمارات في معرض «إكسبو 2020 دبي»، ‏استراتيجية «أدنوك» الجديدة، يهدف إلى الاستفادة من فرص النمو والتطور في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين وأنواع الوقود الأخرى منخفضة الكربون، ‏ومن ثم إطلاق شراكة استراتيجية بين كيانات وطنية عملاقة ‏(أدنوك ومبادلة وطاقة)، ‏بهدف تعزيز جهود الدولة في مجالات تحول الطاقة وتحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2050، ‏حيث اشترت بموجب هذه الاتفاقية كل من «أدنوك» و«طاقة» جزءاً من حصة مبادلة في شركة مصدر، ‏ليتم لاحقاً دمج مختلف مبادرات ومشروعات الكيانات الوطنية الثلاثة ذات الصلة في مجالات الطاقة المتجددة والنظيفة تحت مظلة الاسم الوطني الرائد عالمياً في مجال الطاقة المتجددة «مصدر».

لا تقتصر إيجابيات هذه الشراكة في تعزيز فرص نمو عملاق الطاقة المتجددة الوطني، والتوسع محلياً وإقليمياً وعالمياً فقط، وإنما يعطي درساً حول أصول تغليب المصلحة الوطنية العامة على التنافسية المحلية، فالعالمية تتطلب فكراً وأطر عمل غير تقليدية، ‏ولتحقيق إنجازات عالمية وللحفاظ على المكتسبات الوطنية، سواء في الدور المحوري بأمن الطاقة العالمي، ‏أو كنموذج متميز في تبنّي وتطبيق وتطوير تقنيات وتطبيقات الطاقة المتجددة، وعلى رأسها الهيدروجين، لتحقيق التحول الشامل وليس في مصادر الطاقة أو تطبيقاتها فحسب، بل بفكر القائمين على هذه الصناعة الوطنية، وترسيخ ممكنات الحفاظ على أهم مكتسبات الوطن.

إن هذا النموذج من التكامل والشراكات الوطنية هو خطوة جبارة ودرس وعبرة بأصول وقواعد البناء والنمو المستدام، نتطلع للأخذ به والحذو حذوه.. فـ «في الاتحاد قوة».

*مستشار إداري وتحوّل رقمي وخبير تميّز مؤسسي معتمد


لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة