مساحة حرة

أوائل الإمارات (1)

فيصل محمد الشمري

تستحق مسيرة حضارة الأمم، التوثيق بكل تفاصيلها، فهي السجل التاريخي المشرف الذي يعهد به الآباء المؤسسون للأبناء.

ويأتي إنشاء «الهيئة الاتحادية للمراسم والسرد الاستراتيجي»، بالتزامن مع احتفالاتنا بعيد الاتحاد الخمسين، واستعداداتنا للخمسين عاماً المقبلة، دلالة على اهتمام القيادة الرشيدة بضرورة العمل على الارتقاء بمفاهيم السرد الاستراتيجي، وإبراز الجوانب الإيجابية والملهمة في شخصيات مؤسسي الدولة وقادتها.

إن مبادرة «أوائل الإمارات» التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في نوفمبر 2014، بالتزامن مع احتفالات تأسيس اتحاد دولة الإمارات، تهدف إلى تسليط الضوء على إنجازات النماذج الإماراتية المتميزة في المجالات المختلفة، وتبرز أوائل المنجزين ممّن عملوا بإخلاص منذ تأسيس دولة الإمارات، وحتى يومنا، لترسيخ الاتحاد، ورفع علم الدولة في المحافل كافة، إضافة إلى تخليد أسمائهم في ذاكرة الإمارات عبر أرشفة حكومية وكتاب سنوي حكومي خاص بهم تحت اسم «موسوعة أوائل الإمارات».

عبدالله إسماعيل (أبوفراس) أول وكيل لدائرة النفط في أبوظبي، وأول مدير عام لشركة «أدنوك»، وأول وكيل وزارة للنفط والصناعة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وبتلخيص ‏لمسيرة أحد أوائل الخبراء المتخصصين العرب في القطاع النفطي ‏في حقبة حساسة ومهمة في التاريخ العربي الحديث ‏مليئة بالتحديات والصعوبات، وإسهاماته في تحقيق الطفرة الاقتصادية والصناعية التي أسهمت في تمكين الآباء المؤسسين من تحقيق القفزة الحضارية الإنسانية غير المسبوقة في العصر الحديث، ورسخت مكانة الدولة المشرفة بين الأمم.

كان المغفور له عبدالله اسماعيل حاضراً لاجتماع الأقطار المؤسسة لمنظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) الذي عقد في بغداد في سبتمبر ‏1960 ‏بمشاركة كل من العراق وفنزويلا والسعودية وإيران والكويت.

وقد حضرت دولة أخرى بصفة مراقب، ووثق المغفور له سيرته الذاتية عبر كتابه الأول الذي أصدره عام 1989 بعنوان: «مفاوضات العراق النفطية 1952-‏1968»، ‏وكتابه الثاني الذي نشره وهو في منتصف الثمانينات من عمره وعنونه بـ«في معترك الحياة - سيرة ذاتية»، ‏وهي السيرة الذاتية التي تمثل عقوداً طويلة زاخرة بالإنجازات والجهود المثمرة التي وثقت حياته ونشأته، ثم عمله في شؤون النفط في العراق، ومن ثم هجرته من العراق إلى أبوظبي، وإسهاماته في تأسيس دائرة البترول والصناعة، ومن ثم المشروعات الصناعية التي نفذتها دائرة البترول والصناعة ‏في إمارة أبوظبي، ‏ثم انتقاله من المساهمة في تأسيس دائرة البترول والصناعة ‏إلى وزارة البترول والصناعة، بعد نشوء الاتحاد، وتقاعده، وانتقاله إلى العمل الحر، وتأسيسه لمكتب الاستشارات البترولية عام 1979، وتعاقده مع العديد من الشركات اليابانية والأميركية، لتقديم خدمات استشارية نفطية لها، بواقع خبرته الثرية.

ولعل حديثه عن لقائه الأول مع الوالد المؤسس الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، ‏أبرز ثقة المغفور له ‏في توصيات مستشاريه، ومن ثم تكليفه للمرحوم عبدالله إسماعيل (أبوفراس) بتأسيس دائرة تعنى بشؤون النفط، لاسيما أن أبوظبي انضمت للمرة الأولى إلى جامعة الدول العربية، ويوجد اجتماع لجنة خبراء البترول العرب في يوم سبت، وصادفت مقابلته للمغفور له يوم خميس، ‏مكلفاً إياه بالمغادرة فوراً إلى القاهرة، لتمثيل الإمارة في هذا الاجتماع المهم، ‏فردّ بأنه لا يمكنه تمثيل إمارة أبوظبي في لجنة خبراء البترول العرب، كونه لايزال موظفاً في الحكومة العراقية، ومن أن وجوده في أبوظبي زيارة، تمهيداً لاستلامه المنصب المعروض عليه بعد انتهاء الإجازة، فردّ الوالد المؤسس، طيّب الله ثراه، أن (الأمر مهم بالنسبة لي)، ووجّهه بتقديم استقالة فورية من وظيفته بالعراق، مكلفاً رئيس الديوان آنذاك معالي أحمد خليفة السويدي، بإرسال «تلكس» عاجل إلى وزير النفط العراقي، باستقالة «عبدالله إسماعيل»، وأنه تم تعيينه مسؤولاً عن شؤون النفط في إمارة أبوظبي، قائلاً: «إنك جئت إلى هنا لتبقى».

هذا القرار الفوري المبني على اختيار مدروس لكفاءات عربية، يدل على مهارات فطرية استثنائية لقيادة رشيدة بنت فرق عمل قادرة على تحقيق رؤية طموحة، لبناء دولة أصبحت نبراس حضارة بين الأمم، واستقطبت كفاءات أسهمت في نقل المعرفة، وتقليص الفروق المعرفية التي قد تتطلب عقوداً من التعليم والتدريب التقليدي، وشاركت في تعليم وتدريب الكفاءات الوطنية، وتوطين صناعات متقدمة.

إن توثيق سيرة أوائل الإمارات في كتب التاريخ والمناهج الدراسية، بل وحتى في المعارض التخصصية، وأجنحة الزوار في شركاتنا الحكومية ودوائرنا ومؤسساتنا الوطنية مهمة لتحقيق الهدف النبيل الذي أُطلقت لأجله هذه المبادرة النبيلة، ولتسجيل إسهامات المؤسسين في صفحات التاريخ المعاصر..

وللحديث بقية.

‏ *مستشار إداري وتحوّل رقمي وخبير تميّز مؤسسي معتمد

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة