مساحة حرة

درب الزلق

فيصل محمد الشمري

لا نتحدث عن المحتوى المبدع والمسلسل الرائع الذي يعد أحد أهم مراحل تطور بدايات الإنتاج الفني في الخليج العربي، والذي رسخ أقدام نجوم خليجية فنية مهمة، واكتسب ‏شعبية طاغية مؤرخة لحقبة زمنية مهمة في بدايات النهضة العمرانية في المنطقة، ‏والثروة النفطية، بطريقة فنية كوميدية تطرقت للثروة المفاجئة التي تأتي من التثمين ‏والتعويضات الحكومية، ‏وأمثلة على الخطأ في التخطيط التجاري والتوسع الاقتصادي غير المدروس، ومخاطر الاحتيال التي قد يقع فيها البعض، بكوميديا لانزال نستمتع بمشاهدتها ‏مراراً وتكراراً، رغم مرور عقود عدة على إنتاجها.

‏إن الغالبية العظمى من البنوك الوطنية تلتزم بتوطين الوظائف القيادية، ‏بل إن بعضها أصبح نموذجاً يجب أن تحتذي به بعض (الشركات شبه الحكومية)، ‏فلا نسمع (إلا ما ندر) عن إصدار شيكات ذهبية لإنهاء خدمات بعض المواطنين، كما أننا لا نسمع عن تعيين موظفين جدد قادمين من الخارج دون خبرة محلية، ولديهم فقط خبرات عالمية خيالية، نجدها غالباً لا ترتقي للعديد من الخبرات الوطنية أو المقيمة لدينا.

ورغم ذلك، فإن ما أثارته بعض التقارير الصحافية المقلقة عن وجود ديون معدومة تزيد على 30 مليار درهم على إحدى الجنسيات الآسيوية، وتبع هذا الخبر بأيام، خبر آخر عن هروب مقاول من الجنسية ذاتها بتسهيلات ائتمانية تزيد على 500 مليون، ‏ليسمها طابع يتكرر للأسف مع سمة (الباتيلات)، ‏وهو رجل أعمال من الجنسية ذاتها، هرب منذ عقود حاملاً معه مبلغاً يزيد على ‏تسعة أصفار. وقصص رجال الأعمال من الجنسيات كافة وهذه الجنسية خصوصاً، تتكرر كل أشهر عدة أو أسابيع. ‏

قيل إن «المؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين»، لكن يبدو أن التسامح لدى بنوكنا تجاوز ‏النسب والمعدلات الطبيعية، ‏وأضحت المؤسسات المالية تتقبل بصدر رحب هذا النوع من الخسائر المتكررة.

‏ ‏ إن النموذج المتميز لتوطين الوظائف الأمنية الحساسة في القطاعات الحكومية، ‏والمعايير التي تقوم الجهات المختصة من هيئات وطنية وبرامج اتحادية بمراقبتها، وقياس الالتزام بها، مطلب حيوي ومهم يجب أن يستنسخ في القطاع المصرفي، فقطاع الائتمان، والمخاطر، والتدقيق والحوكمة، وأمن المعلومات، وظائف حساسة ‏سنستمر بحاجة الخبراء الأجانب المتخصصين فيها لسنوات مقبلة، لكن يجب أن يتم وضع مستهدفات وطنية لتوطين هذه التخصصات فـ«مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة».

‏فما يتواتر بأن قطاع أمن المعلومات في بعض المصارف الوطنية (الإسلامية منها أو التجارية) محصور بجنسية معينة، بل وقد تصل الأمور إلى أن تكون هذه الجنسية من منطقة جغرافية محددة في ذلك البلد، دلالة خطيرة على أهمية الإلزام بالتنوع الثقافي، منعاً لأي عمليات احتيال، أو إساءة استغلال للصلاحيات، أو تستر لمصالح مشتركة، أو تستر لحماية أقارب لا تدري إدارة البنك عن صلات بعضهم ببعض، ‏فقصة القبض على موظف في أحد البنوك بسبب شيك دون رصيد قيمته 15 ألف درهم ناسياً أمره، وإصرار الضابط المسؤول في المطار على إعادة هذا الشخص، وإحالته إلى النيابة للتسوية مع المشتكي، وسداد المبلغ هناك، كونها إجراءات شرطية ‏محددة، منعت هذا الموظف من الهروب إلى الخارج بمبلغ 600.000.000 درهم من احتياطي البنك.

فكيف استطاع موظف بسيط إجراء هذا النوع من عمليات التحويل؟ ‏وما هي الإجراءات التصحيحية التي تمت لمنع هذا النوع من العمليات الاحتيالية الداخلية؟ ‏

يجب ألا نكتفي بأن نصحح الإجراءات في أحد المصارف ونترك الآخرين، فلولا إرادة الله، ثم خطأ هذا اللص بتحرير شيك دون رصيد بهذا المبلغ البسيط جداً ونسيانه، لما تم ضبطه، ولو تساهل ضابط الشرطة في المطار وقبل بالسداد، ودفع الغرامات في المطار (على افتراض أن هذه الآليات موجودة نتيجة مطالبات البعض بها)، لهرب اللص، وضاعت مئات الملايين، مسببة ‏هزة للاقتصاد المصرفي ولأسواق المال.

إن استمرار ضعف حوكمة التنوع الثقافي في القطاع المصرفي، يسبب نزفاً مالياً وخللاً في توطين شريحة وظيفية حساسة ومهمة، ‏تتنوع من أمن المعلومات، إلى الحوكمة، والامتثال إلى التدقيق، وكذلك قطاع الائتمان، ‏وهذا السلوك هو المثال المتكرر على (درب الزلق)، ‏لن يتم الحد من آثاره دون وجود ضوابط ومؤشرات ومستهدفات واضحة، متزامنة مع غرامات مالية للمصارف والبنوك المتقاعسة، وكذلك حوافز قد تتمثل في جوائز للتميز، أو خفض لرسوم الترخيص، أو تسهيلات معينة من البنك المركزي، أو حتى جوائز حكومية محلية أو اتحادية لأفضل البنوك التي توطن أو تسهم في توطين هذه الوظائف الحساسة، ‏وهو ما نأمل أن تتولى متابعته الجهات المختصة اتحادياً، ممثلة بالبرنامج الحكومي لدعم القطاع الخاص لاستيعاب 75 ألف مواطن خلال السنوات الخمس المقبلة «نافس»، ومحلياً: المجالس المماثلة لمجلس تنمية الموارد البشرية الإماراتية في دبي، ‏فهم الأقدر على تحقيق هذا الطموح والمطلب الأمني الحيوي الاقتصادي المهم.

مستشار إداري وتحول رقمي وخبير تميّز مؤسسي معتمد

طباعة