العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    مساحة حرة

    نبوءة توم كروز

    فيصل محمد الشمري

    في عام 2002 عُرض فيلم (Minority Report تقرير الأقلية)، الذي أخرجه المبدع ستيفن سبيلبرغ وبطله توم كروز وكولين فاريل، وتدور قصته المبنية على روايات خيال علمي مكتوبة عام 1956 عن معرفة أحداث المستقبل ووجود حرية الإرادة، مناقشاً جدلية حرية الإرادة والتميز.

    وبعيداً عن الفن السابع وتخيلاته التي بدأ جيلنا يراها تتحقق، مثل تصوير قزحية العين أثناء الحركة، والتي كانت جزءاً ملهماً في عرض ملف تميز مشروع بصمة العين الذي فازت به شرطة أبوظبي بجائزة المشروع الفني المتميز وتشرفت حينها بكوني من وثق المشروع وأعد وثيقته ودافع عنه في مراحل التقييم، ليتحول إلى واقع ملموس خلال سنوات قليلة في بوابات المنافذ الذكية في المطار ضمن خارطة طريق مستقبلية أعدتها وزارة الداخلية آنذاك، رغم كون التقنيات التجارية لم تصل إلى هذا الطموح، الأمر الذي دفع الشركاء المعنيين إلى تطوير التقنيات اللازمة وإجراء الدراسات والبحوث الضرورية لتطوير المشروع وتحقيقه وتحويل دراسات استشراف المستقبل إلى جاهزية للمستقبل وواقع ملموس.

    إن الابتكار ركيزة أساسية اعتمدتها قيادتنا الرشيدة كأداة فعالة في السباق مع الزمن، والمساعي الحثيثة لتحقيق الريادة والتميز، لا على الصعيد الإقليمي والعربي فقط وإنما على الصعيد العالمي أيضاً، وما تحقق من إنجازات على الأصعدة كافة، أثمر تعديلات جوهرية في معايير قياس مؤشرات وممكنات الحكومة الذكية، الذي تقود منظومة قياسه، هيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية.

    إن هذه الخدمات التي اعتمدها مجلس الوزراء وناقشها في اجتماعات وورش عمل حكومية عدة، لا تقتصر على تعزيز تنافسية الخدمات الحكومية الرقمية على مستوى العالم، وحسب، بل تتجاوزها بمراحل إلى دعم اتخاذ القرار المبني على قراءة دقيقة لتحليل استباقي واستخدام أمثل للبيانات الضخمة والذكية وتكامل الأنظمة وترابطها.

    الخدمات التنبيهية لكبار المواطنين ومحدودي الدخل لتلافي قطع التيار الكهربائي عنهم أو قطع الخدمات، ظهرت أهمية هذا النوع من الخدمات الحكومية الاستباقية مع حادثة مقتل الطفلة وديمة على يد والدها، والذي تزامن مع انقطاع عن المدرسة تجاوز ثلاثة أشهر، ورغم ذلك، من قام بإبلاغ الشرطة هو عم الطفلة، ولولا ذلك، لما تم الكشف عن تفاصيل هذه الجريمة الشنيعة في وقتها. وأتت قضية مقتل الطالب المتعثر دراسياً والذي قام بتعنيفه وضربه والده، مدمن المخدرات، والآن نصدم بقضية الابن العاق وزوجته، الذي قام بتعذيب والدته، الأمر الذي أدى إلى وفاتها.

    إن هذه الحوادث، رغم قلتها، تدفعنا إلى المطالبة بأولوية تطوير نوعي وعاجل للخدمات التنبئية الاستباقية الاجتماعية، وجعلها من الخدمات ذات الأولوية، فالتنبيه بتجديد مركبة أو تأشيرة أو سداد رسوم مهم، لكنه ليس بالأهم، وما قرأناه عن إرسال رسالة للمتبرع بالدم، متى ما أسهم دمه في إنقاذ حياة شخص ما في السويد، خاصية نبيلة ومحفزة على العمل الإنساني. لكن يمكن أن نذهب أبعد من ذلك بكثير، خصوصاً في تطوير الخدمات التي ستسهم في رصد مبكر وتنبئي لمخاطر الإساءة والإهمال وتعزيز الاستجابة المبكرة لفئات المجتمع الأكثر عرضة لمخاطر الإساءة كالأطفال وكبار السن والنساء.

    فنحن نعيش في وطن السعادة وأهم مكتسباتنا الوطنية ترتكز على الأمن والأمان وقيادتنا لا ترتضي بأن يتعرض أي فرد للخطر، ودلالة ذلك تسمية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، قانون حقوق الطفل الأول من نوعه في المنطقة لشموليته باسم قانون «وديمة» تخليداً لذكرى طفلة قتلت نتيجة إساءة وإهمال ولتذكير الجميع بهذه المأساة وحرمة الاعتداء على طفل.

    نأمل أن يرى مشروع وزارة التربية والتعليم، ومؤسسة الإمارات للتعليم العام والذي اقترحته جمعية الإمارات لحماية الطفل، النور وبأسرع وقت ويطوّر ليكون مشروعاً مشتركاً، ويمكن تطويره مستقبلاً ليشمل كبار المواطنين والنساء. فاستخدام البيانات الذكية والضخمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي وخصائصه التحليلية والتنبئية لقياس الاحتمالية ممكن، وأثبت النموذج التجريبي الذي تم تطويره في عام 2018 بتعاون مع جهة عالمية متخصصة وخبراء وعلماء بيانات بإشرافنا جدواه، ورغم تحديات حجم البيانات المدخلة، إلا أن هذه المنظومة «إن طورت» لن تعزز فرص الاستجابة الاستباقية وحسب، وإنما ستسهم في تحقيق تطبيق عملي لأحدث ما وصلت إليه التقنيات الحديثة في حماية المجتمع ورصد أي إساءة، ومساءلة المسيء فورياً وقبل تحول الإساءة لجريمة لا تغتفر أو لا يمكن معالجتها قبل أن تزهق روح أو تصاب الضحية إصابات جسدية ونفسية غير قابلة للعلاج. ولها تطبيقات أخرى عديدة يمكن تجربتها بعد تطبيق النموذج الأولي، وكما قالت العرب قديماً:

    (درهم وقاية خير من قنطار علاج)، فمن أمن العقاب أساء الأدب ومن توقع المساءلة لن يجرؤ على الإساءة، فهذه الخدمات ممكّن أساسي لحماية المجتمع، بدأ تطبيقها في دول أخرى، والخدمات التنبئية الاستباقية المترابطة لم تعد جدلية تنظير فلسفي واستحالة التطبيق، بل أضحت واقعاً ملموساً، ونأمل الإعلان عن باقة «خدمات استباقية مشتركة ومترابطة» ذات أولوية، بالتزامن مع اليوبيل الذهبي للدولة، لتبقى إماراتنا واحة أمن وأمان ومنبر إشعاع حضاري ومنارة إنسانية تعززها خدماتنا الاستباقية «ذات الأولوية» بما يخدم الإنسان ويحميه، ويحقق تطلعات القيادة لمئوية الإمارات.

    مستشار تحول رقمي ومحاضر وخبير تميّز مؤسسي معتمد

    طباعة