العد التنازلي لإكسبو دبي 2020

    مساحة حرة

    الحياة الرقمية

    فيصل محمد الشمري

    منذ اختراع الدارة المتكاملة أو الرقاقة الدقيقة (integrated circuit /‏‏‏ microchip)، في تكساس بسبتمبر 1958، حققت علوم الكمبيوتر الآلي قفزات نوعية، عززها ابتكار الكمبيوتر الشخصي الذي تم في نهاية عام 1970، وبيع أول جهاز مع بدايات عام 1971، وهو العام الذي نذكره جيداً، كونه عام الاتحاد.

    ولم تقف مسيرة التطور الحضاري التقني الإنساني عند هذه الابتكارات، بل استمرت القفزات البشرية والابتكارات الإنسانية لتعزيز السعادة، وتحقيق نهضة صناعية تقنية، غيرت أنماط الحياة البشرية، مظهرة فرصاً عدة واعدة، وتحديات كبيرة، حيث قام أحد موظفي شركة «موتورولا» في أبريل 1973 بابتكار أول جهاز هاتف محمول في العالم، وهو الأمر الذي غير حياتنا، وفتح آفاقاً جديدة في مجالات الحياة والاقتصاد وحتى الصناعة، ليصبح الهاتف المحمول منصة لتقديم الخدمات الحكومية والاقتصادية.

    لقد تحولت الحياة الرقمية والافتراضية إلى منصة موازية للحياة الحقيقية، بل وتتقاطع معها، وتتكامل بشكل لم يتخيله بعض أفضل مستشرفي المستقبل في توقعاتهم وتطلعاتهم للحياة المستقبلية، فأصبح «الأفاتار» أو الصورة الرقمية للأفراد والمدن والعالم أجمع دلالة على التطور، ومقياساً لنمط الحياة، وسبباً في سعادة أو تعاسة الشعوب.

    «المستقبل سيكون لمن يستطيع تخيله وتصميمه وتنفيذه.. المستقبل لا يُنتظر، المستقبل يُمكن تصميمه وبناؤه اليوم»، نبراس للعمل الحكومي سنّه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وعززه بخطوات جبارة ومحفزات مهمة، أضحت ركيزة تطور الحياة في دبي والعالم.

    إن إنشاء «هيئة دبي الرقمية» يأتي تتويجاً لمسيرة حافلة بالإنجازات الرقمية، عززت مكانة الدولة ودبي، وحققت قفزات نوعية، سواء عبر حكومة دبي الذكية، أو دائرة دبي الذكية، ومؤسسة بيانات دبي التابعة لها، كما أن إلحاق مركز دبي للإحصاء سيغطي الهيئة بمصدر بيانات ثمين ودقيق، يعزز فرص البيانات الضخمة والذكية، وفرص تسييل البيانات «Data Monietisation»، ويحقق عائدات ومكاسب اقتصادية، بدأت بعض الكيانات الاقتصادية باستكشافها.

    كما أن تتويج هذا الكيان بدمج مركز دبي للأمن الإلكتروني، يسهم في حماية مكتسبات الحياة الرقمية على مستوى الأفراد والشركات والقطاع الحكومي، ورفع مستويات حماية الخصوصية للأفراد إلى مستويات غير مسبوقة على مستوى المنطقة، كما سيعزز من فرص تطبيق مفاهيم أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وتقنينها لحماية خصوصية الأفراد والشركات.

    إن رحلتنا الرقمية التي بدأت قبل أكثر من 20 عاماً، أسهمت ليس فقط في رقمنة الحياة في دبي والدولة، بل أصبحت نموذجاً تحذو حذوه دول المنطقة والعالم، فالأمر لم يقتصر على أخذ ألوان حالة تطبيق «الحصن» بالنسبة للتطعيم والفحوص في تطبيق لدولة شقيقة، إذ لابد من استنساخ معايير ومقاييس ومفاهيم تطوير الخدمات الحكومية والذكية، أو حتى التميز المؤسسي.

    لقد أصبحت دولة الإمارات عموماً، ومدينة دبي خصوصاً، نموذجاً يعكس مفاهيم السعادة والتطور الحضاري. ونتطلع إلى تجارب ونجاحات جديدة، نسطر بها نهضتنا ونعزز ريادتنا، عبر تكامل العملية التطويرية، والنظر لنموذج دبي محلياً، وكذلك النجوم السبعة اتحادياً، كشركاء لتطوير مفاهيم وتطبيقات الخدمات الحكومية، وتعزيز قنوات الخدمة، بما يفوق تطلعات المتعامل، والأخذ بالإصدار الثاني من الجيل الرابع للتميز المؤسسي الاتحادي، لتطوير الجيل المقبل من الخدمات الحكومية، وهو ما يعرف بالخدمات الاستباقية المترابطة، فرصة لتحقيق نجاحات لا تفوق التوقعات فحسب، وإنما قد تفوق الخيال.

    كما أن مبادرات التميز الحكومي المحلي في دبي، التي ركزت على الجوانب ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي، والمرونة والرشاقة المؤسسية، وتطبيقات العمل عن بعد، إحدى الركائز الأخرى المهمة، التي ستسهم في رسم خريطة طريق جلية وواضحة لتحقيق نتائج سريعة، تضمن الريادة العالمية الرقمية.

    قد تكمن الفرص في التحديات، ولعل بعضها يتطلب إعادة النظر بتعريفنا لمفاهيمنا الاقتصادية، ونظرتنا إلى القطاعات المصرفية والمالية، وحتى الإبداعية. فالعبقرية تتجلى في انتهاز الفرص، ولنا عبرة في شركات مثل «أمازون» التي لم تمتلك السلع، و«أوبر» التي لا تمتلك مركبات أجرة، و«إير بي إن بي» التي لا تمتلك عقارات تؤجرها، ورغم ذلك تحولت هذه المنصات إلى فرص عالجت بشكل غير تقليدي ومبتكر، تحديات حولتها إلى فرص، محققة أرقاماً فلكية لم يتخيلها الحالمون الذين عملوا على تأسيسها.

    نتطلع إلى قصص نجاح جديدة، تعزز ريادتنا الاقتصادية العالمية، بما يواكب تطلعات قيادتنا، ويحقق المرونة والرشاقة المؤسسية في القطاعات المالية والإبداعية، التي تعد ركيزة لتحقيق مثل هذه النهضة والإنجازات.

    كما نتوقع أن تحذو المدن والدول الأخرى حذو مدينة المستقبل.. مدينة دبي، بإعادة هيكلة قطاع الخدمات الرقمية والحكومية ذات الصلة بالتحول الرقمي، لتوسيع نطاق عملها، ليشمل دعم وتطوير الاقتصاد الرقمي والإبداعي في القطاع الخاص.

    مستشار تحول رقمي وخبير تميز مؤسسي معتمد

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.

    طباعة