مساحة حرة

الزيارة عن بُعد

فيصل محمد الشمري

من الآداب الإسلامية الرفيعة التي حَثّنا عليها ديننا الحنيف، بل وجعلها من حقوق المسلم على المسلم، مراعاة الضوابط الأدبية في الزيارة ووقتها ومدتها.

ومن بعض ما ورد عن رسولنا الكريم في فضل الزيارة، قوله صلى الله عليه وسلم: «من عاد مريضاً غاص في الرحمة، حتى إذا قعد استقر فيها»، وكذلك: «أَطْعموا الْجائع، وَعودوا المريض، وَفُكوا الْعاني»، كما قال صلى الله عليه وسلم: «منْ عاد مريضاً أَو زار أَخاً له في اللَّه ناداه مُنادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ ممْشاك وَتبوَّأْت مِنْ الْجنة منزلاً».

وكل هذا، لبيان فضل زيارة المريض، وغيرها العديد مما ورد في الأحاديث والسيرة النبوية الشريفة، التي تعد منهجاً يرسخ التواصل الاجتماعي، ويحافظ عليه، لما فيه من أثر بناء وتعاطف وتكاتف أسري وتراحم محمود، يهوِّن على المريض مشقة المرض وآلامه.

إن الضرورة تحتّم النظر في تطوير خدمات مبتكرة، تمكّن المرضى من التواصل المرئي مع أسرهم بشكل مستمر، وقد شجعني على التطرق لأهمية هذا النوع من الخدمات، ما اقترحته إحدى الأخوات في قنوات التواصل الاجتماعي، متسائلة عن أسباب عدم إمكانية إجراء مكالمات مرئية مع أهالي المرضى المصابين بفيروس «كوفيد ــ 19»، خصوصاً إذا كان المصاب من كبار المواطنين، لما لتواصلهم مع أسرهم من أثر كبير على صحتهم النفسية.

واقتبس هنا ما قالته إحدى الأخوات: «أمي أصيبت بالمرض منذ تاريخ 23/‏‏‏4 وحتى اليوم 28/‏‏‏5، وفي كل مرة عندما نتواصل معها تقول: أريد رؤيتكم». وهو ما حدث بإجراء استثنائي مشكور من إحدى الجهات الصحية المحلية، لكننا نطمح لأن يتحول هذا الاستثناء إلى خدمة دائمة مبتكرة، تتيح الاتصال بالمرضى على الأقل من أفراد أسرتهم، وللمحجورين التواصل مع أسرهم وأصدقائهم.

إن أحد أسباب تفاعلي، والكثير غيري، ما شهدناه من قصص مؤثرة، فشخصياً حضرت تفاعلاً لأحد الزملاء، وهو يقول لي متأثراً ‏إن والدته في المستشفى، تتمنى رؤية أحفادها وأسرتها قبل أن يوافيها الأجل، واقترح إرسال جهاز محمول، ومحاولة التواصل معها عبر إحدى تطبيقات الاجتماع عن بعد، التي انتشرت ليس فقط في المجال الطبي، بل وأصبحت تستخدم للتحقيق، ومقابلة المتهمين، وإجراءات التقاضي عن بعد، وصدر لها قانون خاص، وهو القانون الاتحادي في دولة الإمارات رقم 5 لسنة 2017، الخاص باستخدام تقنيات الاتصال عن بعد في الإجراءات الجزائية، إذ سمح «للجهات المختصة» وهي الجهات المكلفة باستقصاء الجرائم وجمع الأدلة أو التحقيق، أو المحاكمة، استخدام تقنية الاتصال عن بعد في الإجراءات الجزائية.

إن اقتباس النصوص، والأخذ بالتقنية المطبقة لتوفير مقابلات وزيارات مرضى الأمراض السارية والمعدية للتخفيف عنهم، لاسيما كبار السن والأطفال والنساء وذوي الهمم، وبحث توسعة نطاق الاستخدام حكومياً، ممكن جداً، وبشكل عاجل، ومساهمتي المتواضعة في صياغة مشروع قانون المحاكمة عن بعد، والعمل على معاييره الفنية، ولاحقاً تطبيقه، يدفعني للثقة بقدرة القطاعات الطبية على الأخذ بهذه التقنية لآفاق أكبر، فتمنياتنا من الجهات الصحية الاستفادة من ممارسة أخذت جهداً وسنوات طوالاً من الدراسة والتشريع، وتعميم الاستخدام لأغراض إنسانية بمواجهة تحديات تستدعي من الجهات الإدارية المعنية بالقطاع الطبي توفير دعم نفسي للمرضى، ولأسرهم، خصوصاً أن تقنيات الاتصال عن بعد توفرت في التعليم الذكي، والعمل عن بعد، كما أن زيارة المرضى ومقابلتهم عن بعد قد لا تغني عن المقابلة الشخصية، لكنها تقلل الجزع لدى كبار السن، وتخفف معاناتهم.

لقد شهدنا العام الماضي فيديو لزيارة ومعايدة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، عن بعد، وهي ليست فقط نموذج القدوة الحسنة، بل عامل مهم، يعكس حس القيادة واهتمامها بصحة وسلامة الشعب، وأيضاً الالتزام بالتباعد الاجتماعي والضوابط الصحية المتبعة، ناهيك عن استخدام أمثل لتقنيات الاتصال عن بعد، التي أضحت نمطاً للعمل الحديث ونهجاً للتعلم، وأحد سبل الحفاظ على التواصل الفعال والتعاطف.

إننا على ثقة بقدرة القطاع الطبي على طرح هذه الخدمة المبتكرة بأسرع وقت للمرضى بالأمراض السارية والمعدية، ومنها فيروس «كورونا»، وكمرحلة أولى للأسر المواطنة والمقيمة داخل الدولة، ولاحقاً للأسر خارج الدولة، بالتعاون مع هيئة تنظيم الاتصالات، والحكومة الرقمية، والهيئات الرقمية المحلية، والقطاعات الطبية، وربما يعمد الأخوة في قطاع الخدمات في مكتب رئاسة مجلس الوزراء لطرحها بأحد المسرعات الحكومية، لترى النور خلال الـ90 يوماً المقبلة.

• الأخذ بالتقنية لتوفير مقابلات للمرضى ممكن جداً.

مستشار تحول رقمي ومحاضر وخبير تميّز مؤسسي معتمد

طباعة