مساحة حرة

الأمن الغذائي أهم من زيادة الضريبة

فيصل محمد الشمري

حدّدت منظمة التجارة العالمية سقفاً للتعرفة الجمركية، بهدف وضع ضوابط تمنع الإغراق لحماية المنتجات المحلية، وكذلك تدرأ شر الحروب الاقتصادية، وهو ما دفع بعض دول الخليج العربي لاستخدام هذا الحق المشروع عبر رفع التعرفة الجمركية للسلع، خصوصاً الاستراتيجية منها، لتكون حسب السقوف التي التزمت بها.

هذا الخبر سر مزارعين خليجيين، حيث عزّز فرص تنافسيتهم في المواسم الزراعية بـ15%، كما وضح رسالة القيادة نحو حماية الأمن الغذائي ودعم المنتج المحلي، وهو خيار لا رجعة عنه ولا قبول لبديل له، حيث تم تعديل فئة الرسوم الجمركية لغرض حماية وتشجيع الصناعات الوطنية والمنتجات الزراعية المحلية، وهو أسمى هدف وأنجع وسيلة تجبر حيتان السوق على تخفيف وطأة مضارباتهم على السلع المحلية، خصوصاً في عز الموسم الزراعي الشتوي، وتمنعهم من إغراق السوق بمنتجات مستوردة.

إن ما تقوم به العديد من الجهات لدعم المنتج المحلي، جهود جبارة ومشكورة، ومنها هيئة الزراعة والسلامة الغذائية بأبوظبي، وشركة «سلال»، ولكن المصلحة العامة والعمل المؤسسي والطموحات والآمال المعقودة على تعزيز المنتج المحلي وتحقيق مستهدفاتنا الغذائية بما يحقق أمننا الغذائي الوطني، تتطلب تعاوناً مؤسسياً مركباً وشراكة نوعية تتطلب أن تقود كل من وزارة البيئة والتغير المناخي ووزارة الأمن الغذائي، بالتعاون مع وزارة المالية وهيئة الجمارك وأيضاً الهيئة الاتحادية للضرائب وحتى وزارة الاقتصاد والجهات المحلية المعنية، ملف محفزات وتبعات دعم أو عدم دعم المنتج المحلي عبر سبل عدة غير تقليدية، نفذتها وبنجاح دول أخرى عديدة، ومنها التعرفة الجمركية والضرائب وغيرها.

فإحدى سبل تعزيز محاربة التدخين، رفع الرسوم الضريبية والتعرفة الجمركية عليه، حيث يمكن أن يتم تحليل تبعات تطبيق رسوم وتعرفة ضريبية مرنة تتغير بحسب ظروف الإنتاج الزراعي المحلي في الدولة، وفق سجل موثق للمحاصيل الزراعية بتنوعها وكمياتها.

هذا النوع من ذكاء الأعمال والتحليل الاستباقي، سيعزز من فرص المنتج المحلي ويحميه، ويظهر الحجم الحقيقي للاستهلاك حسب السلع وحجم الطلب عليها. ويمكن أن ينظر له، أنه فرصة لاستغلال مفاهيم البيانات المفتوحة وتطبيقاتها بما يخدم القطاع الزراعي في الدولة، ويعزز أمننا الغذائي.

وأقتبس بعضاً ممّا كتبه الاقتصادي الإماراتي، عبدالناصر الشعالي، عن أهمية تقليص الفجوة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج المحلي، وكذلك تعزيز قيمة المنتج المحلي أو حتى المستورد، بقدرات تصنيعية محلية، تعزز من قيمته وحصته السوقية محلياً وعالمياً، وهو ما تأكدت أهميته مع زعزعة خطوط الإمداد الناجمة عن (الجائحة)، وتنويع مصادر الاستيراد «الموثوقة»، معززاً مفاهيم السيادة الغذائية والأمن الغذائي كاقتصادي عربي، من أوائل من بيّنوا الفرق وحقيقة التحدي، ومحللاً الاضطرابات والاحتجاجات الغذائية العالمية تاريخياً، ومبيناً أسبابها وتحديات المستقبل. ويشمل ذلك امتناع بعض الدول لأسباب «سيادية» عن تصدير بعض السلع، نتيجة كوارث طبيعية أو ارتفاع أسعار البيع المحلي، وغيرها.

فكما قال الأولون: «ما حك جلدك مثل ظفرك»، ولولا تطبيق ضوابط وتشريعات وقرارات سيادية، منها توجيهات سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة، لربما ما رأينا المنتج المحلي يأخذ مكانته المستحقة في أرفف محال البيع بالتجزئة.

إن جهود وخطوات دعم التسويق الزراعي المحلي جهود جبارة، وبدأت تؤتي ثمارها، لكنها غير كافية بما يكفل حقوق المزارعين والمستهلكين في آنٍ واحد. وتطبيق تسعير متغير للتعرفة الجمركية، وربما حتى الرسوم الضريبية، من أجل أن يتجه المستهلك للمنتج الوطني، قد يكون هو الدواء الناجع للتجار والموزعين.

لقد رأينا وتذوقنا الفراولة الإماراتية، بعد أن كانت تأتينا عبر القارات وفي شحن الطائرات، ونحن على ثقة بأنها منتجة وفق أفضل معايير الأمن الحيوي والممارسات الزراعية الآمنة، فلا هي مروية مثل ما نسمع ونشاهد في دول أخرى بمياه غير معالجة وسامة أو ملوثة بالمجاري (أكرمكم الله)، ولا هي تحتوي على بقايا سموم ممنوعة، ولكنها لن تعزز الأمن الغذائي، بل قد تسهم في تعزيز السيادة الغذائية فقط وتقلل الاعتماد على المستوردة.

إن المنتج المحلي يستحق الدعم، ولتكن الأولوية للمحاصيل المعززة لأمننا الغذائي والمرتبطة بالصناعات الغذائية التحويلية، فـ«حصاد مزارعنا» الآمن، أفضل وأنظف وأقل كلفة عند النقل وأقل بصمة كربونية عند قياس مدى التلوث للعمليات اللوجستية والزراعية، كما أنه طازج ويتزين بشعار وطني نفتخر بكونه منتجاً إماراتياً.

لنثبت أن الأمن الغذائي أهم، عبر زيادة متغيرة في الرسوم الجمركية على السلع المستوردة، خصوصاً في فترات ذروة الإنتاج الزراعي المحلي، لحماية المنتج الزراعي المحلي، إلا إذا ثبت أن المنتج المستورد سيكون جزءاً من صناعات تحويلية غذائية محلية، تعزز من قدراتنا وأمننا وسيادتنا الغذائية.

مستشار تحول رقمي ومحاضر وخبير ومقيِّم تميّز مؤسسي معتمد

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة