مساحة حرة

الملكية العائلية للعقارات

محمد زكريا القواسمي

يعتبر الاستثمار العقاري العمود الفقري للمحافظ الاستثمارية العائلية، وغيرها من المحافظ، وهو استثمار طويل الأمد، ويأخذ في الحسبان أهمية تداول هذه الثروات والملكيات بين الأجيال المتعاقبة، لما يشكله هذا الاستثمار من استقرار، مقارنة بالاستثمارات الأخرى، كما يُشعر رب العائلة المؤسس للثروة العائلية بنوع من الاطمئنان في حماية مصالح العائلة، عن طريق تملك العقارات والعائدات المالية لهذه العلاقات.

وقد أصبح المستثمر العقاري في الدولة أكثر خبرة ونضجاً في التعامل مع الاستثمار العقاري، إذ توسعت الاستثمارات ونمت بشكل كبير، ولم تعد إدارة العقار بالأمر اليسير، ما يتطلب وجود شركات إدارة متخصصة ومحترفة، وكذلك إنشاء هياكل للشركات مخصصة لتملك العقارات.

بصفتي محام عقاري، فقد بدأت ألاحظ أن المستثمرين العقاريين يهتمون بتنظيم ملكيتهم العقارية بشكل قانوني وأكثر احترافية، إذ لم يعد شائعاً تسجيل العقارات بأسماء الملاك بصفتهم الشخصية، بل تتم الاستعانة بشركات يتم تأسيسها خصيصاً لتملك العقارات، لما لذلك من فوائد جمة، منها حماية الملكية العقارية من أي أعباء أو التزامات شخصية تقع على مالك العقار، وبالتالي يكون للشركات العقارية شخصية قانونية ومالية مستقلة، في وقت لن يحدث فيه عائق أو تأثير في إدارة العقارات، في حال وفاة الشريك المؤسس، أو أي من الشركاء الآخرين.

كما يوجد العديد من الخيارات في تحديد الهيكل القانوني المناسب للشركات لتملك العقارات، وذلك يعتمد على ظروف ومتطلبات كل مالك وكل عائلة.

المستثمر العقاري في الدولة، خصوصاً في إمارة دبي، محظوظ جداً، إذ يتوافر له العديد من الخيارات والتسهيلات لاختيار هيكل الشركة المناسب له، كما يوجد العديد من المناطق الحرة التي تسمح بتأسيس شركات (أوف شور)، تستخدم لغايات تملك العقارات من دون الحاجة إلى صرف مبالغ طائلة لاستئجار مكاتب، وتعيين موظفين، وبالتالي تقليل الكلفة على المستثمر.

كما أن من التسهيلات الايجابية الأخرى، وجود خيار تأسيس الشركات في مركز دبي المالي العالمي الذي يطبق النظام القانوني (الأنجلوسكسوني).

تنبّه المشرّع في دبي إلى أهمية تنظيم الملكية العائلية، إذ صدر القانون رقم (9) لسنة 2020 بشأن تنظيم الملكية العائلية في دبي، ما ساعد العائلات في تنظيم وحماية ممتلكاتهم، منها العقارات المملوكة لهم على الشيوع، وذلك بشكل قانوني، كما أوجد آلية مناسبة لحل المنازعات العائلية، وأوجد عقد الملكية العائلية الذي يعتبر بمثابة دستور ناظم للعلاقة بين الشركاء.

وصدر المرسوم رقم (23) لسنة 2020 بشأن تنظيم بيع الورثة للعقارات السكنية في إمارة دبي، إذ إن من الملاحظ اهتمام المشرّع بالحفاظ على النسيج الاجتماعي للعائلة، عن طريق تنظيم بيع الورثة لعقاراتهم السكنية، وضمان عدم الإضرار بكبار السن والقصّر ومن هم بحاجة إلى رعاية.

أعتقد أننا نسير في الاتجاه الصحيح من حيث مواكبة متطلبات الاستثمار العقاري، وفي الوقت نفسه حماية العائلة والنسيج الاجتماعي، وضمان الانتقال السلس للثروات بين الأجيال المتعاقبة، إذ إن من الواضح أن المنظومة التشريعية العقارية في الدولة آخذة بالتطور لضمان استمرار الملكية العائلية، وعدم اندثارها عند الوصول إلى الجيل الثالث من العائلة، الذي يحدث للأسف في معظم الأحيان.

مررنا بتجارب كثيرة، ومن المهم الاستفادة من تجارب وخبرات دول أخرى قطعت شوطاً كبيراً في الملكية العائلية، ونقترح تقديم مزيد من التسهيلات للملكية العائلية للعقارات، خصوصاً ما يتعلق بخفض الرسوم على انتقال العقارات بين الأقارب حتى الدرجة الثالثة، وتنظيم وتوضيح أحكام الوصية المتعلقة بملكية العقارات، وتشجيع الوقف العقاري.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة