5 دقائق

إدفع وانشر

د. علاء جراد

نتفق جميعاً على أهمية التعليم ورفع جودته، لما له من دور حيوي في نهضة الدول، ورفع تنافسيتها بين الأمم، ولجودة التعليم أبعاد عدة، منها التدريس، البحث العلمي، الإسهامات المجتمعية، وكذلك الإبداع والابتكار. وتعتبر السُمعة الأكاديمية للمؤسسات، خصوصاً مؤسسات التعليم العالي في غاية الأهمية، ويتم قياس السُمعة المؤسسية بواسطة مؤسسات التصنيف العالمية، مثل تصنيف شنغهاي وكذلك مؤشر «كيو إس».

تحدثت قبل ذلك عما يُسمى بالدكتوراه المهنية والماجستير المصغر، وما إلى ذلك من المسميات، حيث يتم شراء ورقة مزخرفة يطلق عليها شهادة جامعية، ويبدو أن معدومي الأخلاق والضمير لا يهدأ لهم بال حتى يستحدثوا طرقاً جديدة في النصب العلمي، ولقد أصبح الفساد الأكاديمي لا يحتمل السكوت عنه، خصوصاً أنه يأخذ العديد من الصور.

الفساد الطاغي هذه الأيام يرتكز على النشر، حيث يتوجب على أعضاء هيئة التدريس بالجامعات نشر عدد معين من الأبحاث، حتى تتم ترقيتهم في السلك الأكاديمي، هناك بعض الجامعات فطنت لأهمية الجودة وليس العدد، فوضعت شرط نشر الأوراق البحثية في مجلات علمية ذات تصنيف معين، أو على الأقل أن تكون المجلة التي سيتم فيها النشر مدرجة في تصنيفات مثل تصنيف «سكوبس»، ولكن بعض الجامعات لم تنتبه إلى هذه النقطة، التي استغلها بعض أعضاء هيئة التدريس الذين لا يتمتعون بأي مهارة بحثية أو الراغبين في اختصار الطريق، حيث اتجهوا إلى النشر في مجلات هي مجرد موقع إلكتروني وترقيم نشر دولي (يتم الحصول عليه مجاناً)، ولا تزيد عن كونها بوابة لنشر أبحاث لا ترقى لمستوى الأبحاث العلمية. وقد اطلعت بالمصادفة على موقع لإحدى تلك المجلات سيئة السُمعة وهي متخصصة في التربية، ووجدت أن كثيرين من باحثي التربية والتربية الخاصة بالتحديد لديهم أبحاث منشورة في تلك المجلة، التي تبدأ بمبلغ 75 دولاراً للتسجيل، ثم يتم الدفع بحسب عدد كلمات البحث، ويراوح المبلغ من 400 دولار لعدد 2500 كلمة إلى 1200 دولار للبحث المكون من 12 ألف كلمة. ويبدو أن بعض المشرفين يوجهون طلابهم لمجلات معينة للنشر ويضع ذلك علامة استفهام كبيرة، خصوصاً أن بعض هؤلاء المشرفين معروفين ويثق الطلاب بتوجيهاتهم.

هناك حاجة ماسة لأن تعيد الجهات المنظمة للتعليم العالي والبحث النظر في سياسات النشر، وكذلك في الرقابة والنزاهة الأكاديمية، ووضع ضوابط وآليات لتنظيم قواعد العمل الأكاديمي والنشر، والتأكد من التزام الباحثين بالأعراف الاكاديمية الدولية، خصوصاً أن تلك الفئة مؤثرة في المجتمع، ولنتذكر قول الشاعر «يا معشر العلماء يا ملح البلد ما يصلح الملح إذا الملح فسد».

@Alaa_Garad

Garad@alaagarad.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .


الفساد الطاغي هذه الأيام يرتكز على النشر، حيث يتوجب على أعضاء هيئة التدريس بالجامعات نشر عدد معين من الأبحاث، حتى تتم ترقيتهم في السلك الأكاديمي.

طباعة