5 دقائق

الحج في زمن الوباء

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

يأتي الحج هذا العام في زمن الوباء العام العارم، الذي أشاب الصغير وأفنى الكبير، وعم شره وضرره الغنيَّ والفقير، وأثر على الحياة العامة والخاصة، والعبادة والعادة، والحجُّ مما شمله هذا الضرر والخطر، والشريعة الإسلامية التي وازنت بين مصالح الدين والدنيا تستوعب مثل هذه النازلة القاصمة، فتشرع لها ما يناسب حالها مما يحقق المقاصد الشرعية الدينية والدنيوية.

- الشريعة الإسلامية تنظر إلى حماية النفس على أنها الضرورة الثانية من ضرورياتها الخمس بعد ضرورة الدين.

أما الدينية فبأن لا تتعطل الشعيرة الإسلامية تعطلاً عاماً، بل لابد أن تبقى بما يتحقق معها الفرض الكفائي، وهو عمارة الكعبة المشرفة بالحج بما يسقط به الفرض عن عموم المسلمين، فكان ذلكم البرنامج التنظيمي الذي اتخذته حكومة المملكة العربية السعودية لإقامة حج هذا العام مع هذا الوباء، بحكم قيامها بواجب خدمة الحرمين الشريفين وإقامة وتنظيم شعائر الحج، فهو يحقق المقصد الشرعي الممكن فعله بإقامة الفرض الكفائي المتفق عليه بين علماء المسلمين، وهو عمارة بيت الله الحرام بالحج ولو بأقل ما يمكن من العدد، فإنَّ فرض الكفاية هو الذي إن فعله بعض المكلفين سقط الحرج عن الباقين، وسيتم بالعدد القليل من الحجاج كما أُعلن.

أما المقصد الشرعي الدنيوي وهو حماية الأنفس البشرية من الضرر فضلاً عن الهلاك؛ فهو الذي يجب أن يتخذه الناس أنفُسُهم، وتتخذه الدول الراعية لهم؛ أما الناس فإن عليهم في زمن الوباء أن يحتَموا بالوقاية اللازمة حتى لا يصابوا به، وقد ثبت طبياً حتى أصبح علمه ضرورياً أن أول سبب لانتشاره هو الاختلاط والتجمعات التي ينتقل عندها الوباء من شخص لآخرـ ويتسلل لِواذاً لكل قريب ملامس، أو غير مُحتَمٍ من الرذاذ ونحوه، وهو الذي لا يمكن تفاديه لو أن موسم الحج بقي على وضعه الطبيعي، والشريعة الإسلامية قد حثت على الحماية الذاتية بالفرار من الموبوئين أو البلاد الموبوءة، وعلى عدم مخالطتهم، وحثت على الحجر الصحي بنصوص كثيرة أصبحت ثقافةَ الناس كلهم لكثرة ما سمعوها وقرؤوها، وحثت من لديهم مسؤولية رعاية الناس وحمايتهم أن يقوموا بواجبهم نحو رعاياهم، كما صح في الحديث عنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته..»، وهذه المسؤولية تقتضي منع الناس من أن يخاطروا بأنفسهم إلى التجمعات التي ستكون في المشاعر المقدسة.

ولأن الشريعة الإسلامية تنظر إلى حماية النفس على أنها الضرورة الثانية من ضرورياتها الخمس بعد ضرورة الدين، وبما أن الدين قائم ببقاء الفريضة بمن يحقق أداءها، فإن الضرورة الثانية هي حماية النفس من الخطر أو الضرر، ولذلك شرع الإسلام تقديم حمايتها على أداء الفرائض الدينية أحياناً، كمن أكره على النطق بكلمة الكفر، أو على ترك فريضة من الفرائض، أو فعل محظور من المحظورات - عدى قتل النفس أو الزنا - مع أن مثل هذه الفرائض قد تكون ضيقة لا تقبل التأجيل، فتركُ ما فيه سعة في الأداء كالحج من باب أولى؛ ذلك أن الحج مفروض على التراخي عند كثير من أهل العلم، ومنهم السادة الشافعية، ومعنى ذلك أن من لم يؤده مع استطاعته لا إثم عليه إلا أن يموت قبل أن يؤديَه، فيُعلم أنه مات آثماً، ويكون على ورثته أداء الحج عنه من تركته إن كانت له تركة، ومعلوم أن من شروط الاستطاعة الأمن على النفس من الضرر فضلاً عن الخطر، فإذا لم يأمن كما في مثل حال الناس هذا العام؛ فإن هذا الشرط غير متوفر، فكل إنسان خائف على نفسه وأسرته، فانتفى الإثم عن كل أحد لعدم الاستطاعة التي هي شرط وجوبه.

وبناءً على هذا كله فإنه لا حرج على أحد من الناس في تأخره عن أداء فريضة الحج هذا العام، وأن حكومة خادم الحرمين الشريفين - حرسها الله وأيدها - كانت موفقة باتخاذها القرار المناسب في هذا الظرف الطارئ، حيث حققت المصلحتين - إقامة الشعيرة بمن تيسر وحماية الناس عامة من الضرر والخطر - وأن الدول التي اتخذت قراراً بعدم السماح لرعاياها بالحج هو قرار مسؤول تشكر عليه، وأن على الناس الامتثال والسمع والطاعة، فإن الله تعالى ما جعل عليهم في الدين من حرج.

ونسأل الله تعالى أن يعجل بالفرج ويزيل الحرج.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة