سريالي

    مخدر المديح

    أحمد المظلوم

    المديح غير الصادق هو مادة مخدرة يتعاطاها الكثيرون، ويقوم بتوزيعها بالمجان بعض من لهم مآرب خفية ومن هم بارعون في خنق الطموح، وتحويل هؤلاء المساكين الى مومياوات، أو قد يكون من يقدم هذا النوع المخدر من المديح، لا يبالي بتوفير آراء صريحة حول الشخص أو الموهبة التي يتمتع بها ذاك، لكي «لا يصدع رأسه»، وبعضهم يعرف ماهية الطريقة الصحيحة للنقد الذي يجب عليه توجيهه، لكنه يختار أن يعدل عن هذه الخطوة مخافة عدم تقبل الآخر لرأيه، ومن هؤلاء كثيرون، وهنا يجعلنا هذا الفعل أن نقف على مفترق طرق ضبابية الأجوبة فلا مكان للصحة المطلقة أو الخطأ الصارخ، فالمجاملة قد تقوم بسحرها في حين، وقد تنفث سمها في حين آخر، وذلك يعتمد على متلقيها والكيفية التي تم تقديمها، فالبعض يكون في أمس الحاجة لها عند شعورهم بتعذيب النفس، وتمور بهم الأيام نحو الهاوية ففي تلك الحالة تكون المجاملة هذه التي لا يهم إن كانت في محلها أو لا، بفعل المنقذ فتنتشلهم من الهوة وترسم لهم باب تفاؤل جديداً يدخلونه بكل أمل، لكن في حالات أخرى يكون المديح غير الصادق مؤثراً بشكل سلبي على الشخص، كمن تقول له «أحسنت صنعاً على هذا المشروع» الذي في الحقيقة قد أعلن فشله، أو «قصيدتك رائعة جداً لو كان بإمكاني لمنحتك جائزة نوبل عليها»، وبهذه المبالغة فإنك قد تكون قد منحته وسام التوقف عن التقدم والانجاز، وتعود بي الذاكرة الى اليوم الذي شاهدت فيه فيلم Whiplash، حين قال المدرب الموسيقي الصارم تيرينس فليتشر لأندرو أحد أعضاء الفرقة الموسيقية: إن «أسوأ كلمتين وجدتا في اللغة الانجليزية هي Good Job»، وهنا قد نجد مبالغة من المدرب، لكنه كان يريد أن يدفعه إلى أقصى حدود الجهد ولو كلفه ذلك عملاً كثيراً، ولكنه يخبرنا عن واقع الحياة، عندما تسمع بعض العبارات التي قد لا ترتضيها، لكن قد تشكل لك طوق النجاة المطلوب، وفي دراسة قامت بها مجلة هارفرد بزنس ريفيو حول ما اذا كانت التغذية الراجعة السلبية «Negative Feedback»، قد تسهم في رفع إنتاجية الموظف من عدمه، وبعد دراسة شملت العديد من المؤسسات، توصلوا الى أن الموظف قد يستفيد من التغذية الراجعة السلبية في حالة إذا كانت جلسة التوجيه بين المسؤول والموظف فقط، وفي حال إذا لم يتم الأخذ بالاعتبار هذه الاشتراطات، فإن الموظف قد يقوم بما يعرف بـshopping for confirmation كما وصفه التقرير، للبحث عن من يكيل إليه بالمدائح حتى لا يشعر بالنقص والتراجع الإنتاجي، وهذه الدراسة قد تشمل جميع من يريد النجاح في الحياة.. لا تبحث عن حقيقة مخادعة أو وهمية، ابحث عن من يدفعك نحو الطريق الصحيح من خلال النقد البناء، ومن خلاله فقط... يمكنك التقدّم.

    Ahmed_almadloum

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

    طباعة