سريالي

    كل شيء «كليشيه»!

    أحمد المظلوم

    الذهب سيفقد بريقه إذا وجد الجزيل منه لجميع سكان الأرض قاطبة، عملاً بمبدأ الندرة.. وكذلك الكلمة ستفقد بريقها ومعناها الحقيقي مع الاستخدام المفرط لها. «الكليشيهات» قد تتخذ عدة أوجه، فمنها ما هو مضحك مثل «منو ياينا ها الحزة!»، ومنها ما هو سياسي مثل شعار حملة بل كلينتون الانتخابية «إنه الاقتصاد أيها الأغبياء»، ومنها ما هو أدبي «تنفس الصباح وتساقطت من الشمس خيوط ذهبية»، ومنها ما هو وافر في حياتنا اليومية.

    - تفقد العبارة جوهرها الأصيل بعد عمليات متكررة لإعادة تدويرها .

    أما لاحظتم أننا عندما نقول شكراً فإنها تكون مصحوبة مع كلمة جزيلاً فتصبح «شكراً جزيلاً»، ولا تسمع مثلا عبارة «شكراً كثيراً»، ذلك لأن العبارة قد تم ترديدها مرات كثيرة حتى تخزنت في عقلنا اللاواعي إلى درجة أننا لا نستطيع استبدال هذه العبارة بأخرى، ولذلك تعمّدت أن استخدم كلمة «الجزيل» في سياق آخر في بداية هذا المقال. كما نجد في عالم الرواية كثيراً من التوصيفات المستهلكة مثل «الليل الشاحب» «ساد الصمت» «غابت الشمس» «أسلوب حياة» «غاص في أحلامه»، وغيرها الكثير، ويعود الفضل في ترسخ هذه العبارات مع تلقائية تعبيرنا عن الأشياء إلى المبتكر الأول لها، فهو الذي صنع لنا وسيلة تعبير جديدة تحولت الى «كليشيه» مع مرور الزمن، وفقدت جوهرها الأصيل بعد عمليات متكررة لإعادة تدوير العبارة. لذلك يدعونا الكاتب الفرنسي مارسيل بروست، صاحب رواية «البحث عن الزمن المفقود»، التي تعدّ من أعظم الروايات التي كتبت في التاريخ وأطولها قطعاً، إلى أن السبيل الوحيد للمحافظة على اللغة من الإصابة بالشيخوخة، وذلك عبر مهاجمتها فيقول: «كل كاتب ملزم بخلق لغته الخاصة، كما أن كل عازف كمان ملزم بخلق نغمته الخاصة.. لا أعني إنني أحب الكتّاب الأصليين الذين يكتبون على نحو سيئ. لكنهم لن يبدأوا الكتابة الجيدة إلا بشرط أن يكونوا أصليين، وأن يخلقوا لغتهم الخاصة». ويقول دوستويفسكي: «إن الخطأ الأصيل أفضل من الصواب المقلد».

    فمن الأفضل للكاتب أن يتحدى نفسه في تفكيك العبارات المركبة والبحث عن مغزاها، ثم تقليب الكلمات في ذهنه للوصول إلى تركيب معين جديد للعبارات المستخدمة في وصف شي ما، مثلاً، بدل أن يقول «غابت الشمس» قد يبحث عن معنى مرادف لنفس الكلمة، فيظهر له تركيب جديد للعبارة غير مستخدم بكثافة، والهدف الأسمى للكاتب هو أن يصنع عبارات مبكترة تتحول إلى «كليشيهات» بعد مدة من الزمن، مثل كلمة «مبكترة» التي صنعتها للتو، والتي تعني أنني ارتكبت خطأ إملائياً والسلام.

    Ahmed_almadloum

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

    طباعة