سريالي

    السفر مع «غوغل»!

    أحمد المظلوم

    الطقس بارد بلا شفقة، والسماء ملبدة بالغيوم الغاضبة.. وها أنا أقف أمام منصة من الحجارة المصفوفة بعناية بشكل عمودي على هيئة معبد أبوللو اليوناني، لكنه مخصص للنمل والجرذان فقط! ويربط بين هذه الأعمدة أعلام صغيرة الحجم ذات أشكال مستطيلة، لها ألوان مختلفة، وعلى نسق معين من الترتيب: أحمر، أخضر، أصفر، أزرق، وأبيض، ولا أعلم ما السر خلف هذا الترتيب؟ لكن يبدو أن هذه المنصة تستخدم للاستدلال على الطريق، خصوصاً في هذه الطبيعة القاسية، التي لن تغفر لك أي خطأ. لكن لماذا عليَّ أن أهتم بهذه المسائل التي لن تضيف شيئاً فقد حان وقت الاحتفال؟! أخيراً فعلتها.. نعم فعلتها فقد نجحت في الوصول إلى مخيم «إيفرست» الأساسي! وما أود قوله في هذه المناسبة الخاصة أنه لا مكان لكلمة مستحيل، والأحلام لا حدود لها. يا له من شعور! إنني الآن أقف بين جبال الهيمالايا العظيمة والتواضع يملأني. اسمحوا لي أن أصف لكم المشهد الذي أراه الآن، فهذا رجل من الشيربا يقف خلف معبد أبوللو (المزيف) قبالتي، وهناك صخرة كبيرة عند قدمي اليمنى نقش عليها كلام كثير، لكنني لمحت كلمة Everest 5364، وهي تمثل الارتفاع الذي نحن عليه، وفي الخلف هناك ثلاثة من المغامرين الذين يتجهون إلى وجهة غير معلومة.. الأرض مليئة بقطع الصخور الكبيرة والمتوسطة الحجم، والمشي بينها ليس بالأمر السهل.. وعلى يساري قمم مدببة من الكتل الجليدية المصطفة خلف بعضها بعضاً في طابور عسكري، معلنة الانصياع التام لقوانين الطبيعة! وها أنا أقف هنا داخل سياج من الجبال الشاهقة، التي لا أعلم أهي تحميني أم تسجنني في حصنها المهيب. حسناً أعتقد أن عليَّ الهرب بأي شكل على وجه السرعة.. الوداع الوداع.

    ما هذا؟! أين أنا؟! الويل لي الويل لي إنه بركان! لماذا النحس يلازمني دوماً؟! لم تمر دقيقة واحدة منذ أن هربت من سطوة جبال الهيمالايا حتى أسقطني القدر في هذه القدر المغلية! تبين لي الخرائط أنني الآن أقف داخل فوهة بركان «ماروم»، في جزيرة فانواتوا، التي تقع جنوب المحيط الهادئ، ويبدو أن السيد «ماروم» لم يعجبه وجودي، فها هو يلفظ حممه بكل ضراوة تجاهي، لكنني لا أحس بأي حرارة أو حتى خوف.. هيا هيا حاول أن تقتلني سيد «ماروم» فإنني أقسم لك بأنك لن تقدر على ذلك، وسأظل ضيفاً ثقيلاً عليك حتى تخمد، فإنك لن تستطيع معي صبراً! وبعد أن قضيت بعض الوقت داخل الفوهة، قررت العودة إلى الوطن، وها أنا بعد دقيقة أخرى أصل سالماً معافى إلى وطني الحبيب!

    قد يعتقد البعض منكم أنني أتمتع بقوى خارقة مكنتني من الوصول إلى مخيم إيفرست الأساسي بهذه السرعة، ثم الانتقال بسرعة الضوء إلى بركان «ماروم»، الذي يبعد آلاف الكيلومترات في أقل من دقيقة! ويكمن السر هنا في أنني اتبعت نوعاً آخر من السفر، نوعاً خاصاً لن يعرضك لمشاق السفر التقليدية لكنه قد يؤلم أصابعك قليلاً! وهذا النوع يطلق عليه السفر الافتراضي، من خلال خدمة Google Street View الرائعة، التي تغطي في خرائطها ملايين الكيلومترات بواسطة كاميرات 360 درجة فائقة الوضوح، وآلاف المناطق المذهلة حول العالم من غابات الأمازون المطيرة، إلى جزر المحيط الهندي، حتى قارة أنتارتيكا المتجمدة! إنه سفر قبل السفر! وهي وسيلة مسلية لتقضية الوقت واستكشاف الأماكن البعيدة جداً بكبسة زر من منزلك، ولو قررت زيارة الأماكن التي زرتها في بداية المقال في الواقع لاستغرق منك ذلك 15 يوماً على الأقل!

    لذلك اخترت السفر مع «غوغل».. فماذا عنكم؟

    Ahmed_almadloum

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

    طباعة