الخلاف الفقهي والإدارة الحضارية

من رحمة الله بعباده في هذه الشريعة الغراء أن جاءتهم سهلة سمحة ميسرة، مرفوع فيها الحرج والعنت، ومن مظاهر يسرها وسعتها أن أحكامها الفرعية لم تكن ذات وجه واحد في جُلِّ فروعها الفقهية، بل جاءت حمَّالةَ وجوهٍ وقابلة لاختلاف وجهات النظر والفهم في الاستنباط والاستدلال، وهو ما عرف بعلم الخلاف، وسمي علماً لأنه ناشئ عن علم واستنباط، لا عن هوىً وتشهي، ومن هنا كان العلماء يعنون به عناية كبيرة، ويقررون أنه لا يكون الإنسان فقيهاً حتى يكون بارعاً فيه، مدركاً لأصوله وفروعه، وقد كان هذا الخلاف مصدر ثراء للفقه، فاستوعب الحياة في كل مكان وزمان، وهذا من خصائص الشريعة الإسلامية التي كفلت للمسلمين الحفاظ على دينهم مع اختلاف أعصارهم وأمصارهم، ولولا ذلك لكان الناس في ضيق إذا لم يجدوا فسحة بقول يكون محل نظر واعتبار.

وقد كان الفقهاء يسمون علم الخلاف «علم السَّعة» وإليه يرشد قول أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه: ما يسرني أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لو لم يختلفوا لما كان في الأمر سَعة. وبذلك أخذ الإمام مالك رحمه الله تعالى، فإن هارون الرشيد – رحمه الله - لما سمع الموطأ من مالك، رغب أن يعلقه في الكعبة ويحمل الناس على العمل بما جاء به، فأجابه الإمام مالك رحمه الله: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلاد، وكل مصيب. فعدل الرشيد عن ذلك.

وقال ابن كثير: وقد طلب المنصور من الإمام مالك أن يجمع الناس على كتابه فلم يجبه إلى ذلك، وذلك من تمام علمه واتصافه بالإنصاف، وقال: إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها.

هكذا كان الخلاف الفقهي عند القدماء مصدراً للتنوع والسعة مع حرصهم على معرفة رأي المخالف، فكانوا يناظرون المخالف ويأخذون منه ويردون عليه، ولكن مع احترام رأي المخالف، حتى قال الإمام الشافعي قولته المشهورة: قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب. ومعنى ذلك أن الحق ليس في قول أحد دون غيره، ومازال الأمر كذلك حتى وقتٍ متأخر من زمان الأمة، وتحديداً إلى بداية عصر النهضة الثانية، حيث احتكرت الحقيقة وصودر الخلاف الفقهي المعتبر، فنشأ عن ذلك ما لم تحمد عاقبته من الفتن التي لا مسوغ لها شرعاً ولا عقلاً.

وقد فطن علماء الوقت وصالحوهم إلى وجوب إعادة الخلاف الفقهي إلى الصدارة لتتسع مدارك الناس، ويعلموا سعة الشريعة وصلاحيتها لزمان الحضارة الحديثة، وكان من ذلك المؤتمر الكبير الذي أقامته دار الإفتاء المصرية في الأمس القريب بعنوان «الإدارة الحضارية للخلاف الفقهي»، فكان جهداً كبيراً مشكوراً توصل من خلاله المشاركون إلى نتائج تجعل من الخلاف الفقهي مدرسة متنوعة للنضج الحضاري المنشود اليوم كما كان معمولاً بالأمس، ولم يكتف المؤتمر بذلك حتى أصدر وثيقة غراء بعنوان «وثيقة التسامح الفقهي والإفتائي»، لتكون حاملة للعلماء والفقهاء على إعادة الخلاف الفقهي إلى وضعه السابق حضارة فكرية، وثروة علمية، وعاملاً من عوامل وحدة الأمة وسبباً مباشراً لانتشار الإسلام في الآفاق.

إن الخلاف الفقهي المنضبط بأصول الفقه وقواعده والمتشبع بنصوصه ومقاصده، هو في الحقيقة احترام للعقل الإنساني المختلف في مداركه وتصوراته بحسب اختلاف ما سُقيه من معارف، ووصل إليه من قناعات، فلابد من احترام هذا العقل الذي كان سبباً لتكريم الله تعالى، ولابد من إحياء الخلاف الفقهي في العقول كما لجأ الناس إليه ضرورة في التشريع القانوني في المعاملات المدنية والجنايات والأحوال الشخصية.

ويتعين أن يكون كذلك مصدر إلهام للفكر الذي أريد احتكاره بقوة فكان سبباً للبلاء الذي تعيشه الأمة، فعلى علماء العصر ومفكريهم أن يفتحوا صدورهم للمخالف الذي له أصل معتبر حتى يعيشوا معه على صفحة النقاء، وعوامل البناء، ونهج الرخاء، وقواسم الصفاء، والله المسؤول أن يحقق المأمول لهذه الأمة المرحومة.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

 

 

الأكثر مشاركة